احمد احمد بدوي
15
من بلاغة القرآن
مجال الأدب بين مظاهر الشعور يرى علماء النفس للشعور مظاهر ثلاثة : فهو تفكير ، إذا كان بحثا عن حقائق الوجود ، لمعرفة أسبابها ، واستنباط قواعدها ، وإدراك ما بين بعضها وبعض من صلة أو تنافر . وهو وجدان ، إذا صحبه إحساس باللذة والألم ، فالحب والبغض ، والسرور والحزن ، والرجاء واليأس ، والخوف والغضب ، كلها وجدانات تتصل بالنفس ، فتحدث بها لذة أو ألما . وهو إرادة إذا حفز المرء إلى العمل ، ودفعه إليه ، كالرغبات والنيات . وإن بين هذه المظاهر النفسية اتصالا وثيقا ، لا يتأتى معه انفصال واحد عن صاحبيه ، وإن كان المظهر الغالب لأحدها . فمن المحال أن نجد ألما في أنفسنا من غير أن نبحث عن سببه ، ونبذل طاقتنا في سبيل إبعاده . ويستحيل أن نفكر في عمل عقلي ، من غير أن نشعر بارتياح إذا سهل الأمر وانقاد ، وامتعاض إذا اعتاص والتوى . والأعمال الإرادية يصحبها التفكير والوجدان ، ولا تستقل بنفسها أبدا . غير أن الصلة التي تربط هذه المظاهر بعضها ببعض ، قد تكون طبيعية ، إذا كانت التجربة نفسها تستدعى هذا الترابط ، بطريق تداعى المعاني ؛ كما إذا وصل إليك نبأ نجاحك مثلا ، فإن خواطر شتى تفد إلى نفسك من كل صوب ، ما بين سرور وابتهاج بما ظفرت به ، وتفكير في الوسائل التي انتهجتها ، فوصلت بك إلى تلك الغاية السعيدة ، إلى رغبات وعزمات تصمم عليها ، ويدفعك إليها هذا الظفر المحبوب ، وبينما ترى بعض هذه الخواطر واضحا جليا للنفس ، ويحتل بؤرة الشعور أو الحواشى القريبة منها ، تجد بعضها الآخر غامضا خفيا ، لا تكاد تشعر به ؛ وتكون الصلة غير طبيعية إذا لم تكن التجربة مستدعية لها بطريق تداعى المعاني ، كما إذا كنت تدرس نظريات الهندسة ، فسئمت العمل وتركته ، فليس بين نظريات الهندسة والسأم من صلة . ليس التفكير الخالص بميدان للأدب ، وإنما هو مرتع للعلم وحده ، أما الأدب فمجاله الإحساس بالحسن ، الذي يثير في النفس لذة ، أو بالقبح الذي يبعث فيها