احمد احمد بدوي
11
من بلاغة القرآن
فقد بدأت حديثها معه تناديه باسمه ، نداء القريب ، الذي لا كلفة بينك وبينه ، مشعرة إياه بشدة الصلة بينهما ، حتى لكأنها توحى إليه ، بأن هذه القرابة القريبة ما كانت تنتظر على يده هذا المصير ، ثم انتبهت إلى مكانة الرسول في قومه ، فنادته واصفة بما يتفق مع هذه المكانة ، وكأن قلب الأم ، الذي في كل أنثى ، دفعها إلى أن تصفه بأنه خير ابن ، لأم كريمة في قومها ، وأب عريق في الشرف ، حتى إذا انتهت من استرعاء سمعه ، بهذا النداء ، أخذت تسأله سؤال الموجع ، الموقن بأن حكم القضاء قد تم ، ولا سبيل إلى استرجاعه ، فاستخدمت لذلك هذا الاستفهام الحزين ، الموحى بأنه لم يكن ثمة خطر في إطلاقه ، فضلا عما في هذا الإطلاق ، من مكرمة المن . وأتت بكلمة « لو » المشعرة بالأسف ، لدلالتها على امتناع وجود الفعل ، وما كان أدق ذوقها في اختيار كلمة « ربما » الدالة على حسن الأدب ، والتماسها العذر للرسول ، وتلميحها إلى ما في العفو ، برغم الغيظ والحنق ، من مثل أعلى ، جدير بالاقتداء ، حتى إذا انتهت من ذلك ، لمست من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم موضع العطف ، فذكّرته بقربه منه ، واستحقاقه أن يظفر برعايته ، ثم انتقلت من ذلك إلى تصوير هذا القريب ، الجدير بالود ، أو بالمنّ ، والعتق - هدفا لسيوف أقربائه ، تتناوله بأطرافها ، فتمزق بتمزيق أديمه ، القرابة وتقطع أواصرها . وهكذا ، كان كل جزء له أثره ، في نقل هذه التجربة التي ملكت نفس قتيلة ، ونجحت في إيصال ألمها للسامع ، حتى روى أن الرسول بكى ، وقال : لو سمعتها قبل اليوم ما قتلته . نستطيع أن نسمى التجربة التي تسيطر على الأديب ، وتدفعه إلى التعبير عنها بالإلهام ، وكلما عظم هذا الإلهام ، احتاج إلى قوة كبيرة ، تستطيع التعبير عنه تعبيرا يمثله تمثيلا صادقا ، ولذا كان كبار الأدباء ذوى سلطان على اللغة ، وقدرة قديرة على التعبير ، فاستطاعوا أن ينقلوا إلينا من التجارب أعظمها وأسماها . وإن لدى الأديب إحساسا لغويّا ممتازا ، يستطيع به أن يختار من الألفاظ ما هو قوى في تصويره ، واضح في دلالته على مراده ، ويدرك ما تستطيع الألفاظ أن توحى به إلى القارئ ، وإن للألفاظ لوحيا يشع منها ، فيملأ النفس شعورا ، ويثير الوجدان ، ويحرك العاطفة ، ذلك أن الألفاظ قد تراكم حولها بمضي الزمن والاستعمال ، معان أخرى ، أكثر من هذه المعاني التي نجدها لها في القاموس ، فليس ما بين يدينا من معاني الألفاظ في المعاجم ، سوى هذه المعاني المتبلورة ، والأديب البليغ هو من يستنفد ما للألفاظ من معان ، أضفاها عليها الزمن ، فتثير