احمد احمد بدوي
12
من بلاغة القرآن
في النفس أعمق الإحساسات ، وتملأ الخيال بشتى الصور ، وإذا شئت فانظر في القاموس إلى معاني كلمات : أم طفولة ، ومدرسة ، ووطن ، مثلا ، فالأم في اللغة هي الوالدة ، ولكن هذا اللفظ يثير في النفس ، إذا سمع ، أسمى معاني الحب وأقدس ألوان العواطف ، وأشرف آيات الإيثار ، وأعمق معاني الحنان ، وليست الطفولة سوى وقت الصبا في القاموس ، أما إذا سمعت فإنها تثير تلك الخواطر ، التي تحوم حول هذه الأيام النضرة ، وعلى هاتيك الملاعب العزيزة ، وكم ذكريات تثيرها المدرسة في النفس ، حول عهود محبوبة ، وآمال مرتقبة ، وأصدقاء مختارين ، بينما هي في المعجم مكان الدراسة ، أما كلمة الوطن ، فقد تراكم حولها من المعاني والذكريات ما أشار ابن الرومي إلى بعضه حين قال : وحبب أوطان الرجال إليهم * مآرب ، قضّاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم * عهود الصبا فيها ، فحنوا لذلكا فلا عجب أن تثير كلمة الوطن في النفس هذه الذكريات العذبة المحبوبة ، وإن أردت أن تدرك شدة وحى الألفاظ فاقرأ قوله تعالى : وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ( الحجرات 12 ) . وانظر أي كراهية ونفور ، يثيره في النفس ، تخيل أكل لحم الأخ ميتا ، واقرأ قول الشاعر : وقانا لفحة الرمضاء واد * سقاه مضاعف الغيث العميم نزلنا دوحة ، فحنا علينا * حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا * ألذ من المدامة للنديم يصد الشمس أنى واجهتنا * فيحجبها ، ويأذن للنسيم يروع حصاه حالية العذارى * فتلمس جانب العقد النظيم وانظر ما توحى به إلى النفس « لفحة الرمضاء » فإنها تشعرك بهذا الهواء الساخن ، يلفح وجهك ، ويرمض عينيك ، فتكاد تضع يدك على هذا الوجه ، تحجب بها عنه هذه السخونة الممضة ، وتحس كما أحس الشاعر بفضل هذا الوادي عليه ، فقد حماه من وهج الشمس ، وسطوة الحر ، فلا غرابة أن يدعو له من كل قلبه ، أن يسقيه « مضاعف الغيث » . وانظر ما توحى به إلى خيالك كلمة « دوح » من ظل ظليل ، ونسيم بليل ، تسكن إليه النفس ، بعد لفحة الرمضاء ، وتخيل « حنو المرضعات » وما يثيره من معاني العطف والحنان ، أما « أرشف » فتوحى إليك بهذه المتعة ، التي يحس بها الظمآن ، لفحه حر الشمس ، فأوى إلى ظل ظليل وأخذ يشرب على مهل ، يستمتع بالماء الزلال ، وكيف يجده حينئذ ، ألذّ من المدامة ،