يوسف حسن نوفل

53

من المكتبة القرآنية

في العلم متنوع المعارف ، قوى الذهن ، يجمع إلى ذلك العلم والأدب والكرم ، وقد جلس للوعظ والتفسير ، ورحل إليه للسماع من علمه الغزير . ألف كتبا عديدة على رأسها هذا الكتاب ومنها : كتاب المسالك في شرح موطأ مالك ، والقبس على موطأ مالك وغيرها من الكتب التي بلغت خمسة عشر كتابا تتنوع وتتشعب . وقد استقضى ببلده فكان قاضيا صارما شديدا ، ثم صرف عن القضاء ، وأقبل على نشر العلم ، يدرسه لطلابه ، وقد كان أديبا شاعرا ، سليم المنطق حسبما ظهر في جلساته ومناظراته وتأليفه . أما الكتاب الذي بين أيدينا ، وهو كتاب أحكام القرآن ، فهو من خير كتبه ، وهو يحرص فيه - كما قدمنا - على إيراد آيات الأحكام مرتبة في كل سورة ، ثم يشرحها ، ويستخرج ما فيها من أحكام ، وهو يعتمد على اللغة وعلى الحديث ، وعلى ما كان من أفعال النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وصحابته - رضى اللّه عنهم - ، ويوازن بين المذاهب ويؤيد رأيه بالحجة الدامغة ، والمنطق القوى ، وقد رجع إليه العلماء ، واستندوا إلى آرائه ، بل إن القرطبي ينقل فقرات منه ، ويحتج بآرائه ، ولا تكاد تخلو صفحة من صفحات كتاب ( الجامع لأحكام القرآن ) من هذا الاستشهاد ، بل إنه يحاكيه في أن يذكر الآية ويقول : فيها مسألة أو مسألتان أو أكثر . ونقف الآن أمام تناوله للبسملة في مطلع كتابه ، يقول بعد ذكر الآية الأولى من الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فيها مسألتان : المسألة الأولى : قوله تعالى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . اتفق الناس على أنها آية من كتاب اللّه تعالى من سورة النمل ، واختلفوا في كونها في أول كل سورة ، فقال مالك وأبو حنيفة : ليست في أوائل السور بآية ، وإنما هي استفتاح ليعلم بها مبتدؤها . وقال الشافعي : هي آية في أول الفاتحة ، قولا واحدا ، وهل تكون آية في أول كل سورة ؟ اختلف قوله في ذلك ، فأما القدر الذي يتعلق بالخلاف من قسم التوحيد والنظر في القرآن وطريق إثباته قرآنا ، ووجه اختلاف المسلمين في هذه الآية منه -