يوسف حسن نوفل

54

من المكتبة القرآنية

فقد استوفيناه في كتب الأصول ، وأشرنا إلى بيانه في مسائل الخلاف ، ووددنا أن الشافعي لم يتكلم في هذه المسألة ، فكل مسألة له فيها إشكال عظيم ، ونرجو أن الناظر في كلامنا فيها سيمحى عن قلبه ما عسى أن يكون قد سدل من إشكال به . وفائدة الخلاف في ذلك الذي يتعلق بالأحكام أن قراءة الفاتحة شرط في صحة الصلاة عندنا وعند الشافعي ، خلافا لأبى حنيفة حيث يقول : إنها مستحبة ، فتدخل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في الوجوب عمّن يراه ، أو في الاستحباب ، ( كذلك ) . ويكفيك أنها ليست بقرآن للاختلاف فيها ، والقرآن لا يختلف فيه ، فإن إنكار القرآن كفر . فإن قيل : ولو لم تكن قرآنا لكان مدخلها في القرآن كافرا . قلنا : الاختلاف فيها يمنع من أن تكون آية ، ويمنع من تكفير من يعدها من القرآن ، فإن قيل : فهل تجب قراءتها في الصلاة ؟ قلنا : لا تجب ، فإن أنس بن مالك - رضى اللّه عنه - روى أنه صلى خلف رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأبى بكر وعمر ، فلم يكن أحد منهم يقرأ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، ونحوه عن عبد اللّه بن مغفل . فإن قيل : الصحيح من حديث أنس ، فكانوا يفتتحون الصلاة بالحمد للّه رب العالمين . وقد قال الشافعي : معناه أنهم كانوا لا يقرءون شيئا قبل الفاتحة . قلنا : وهذا يكون تأويلا لا يليق بالشافعى لعظيم فقهه ، وأنس وابن مغفل ، وإنما قالا هذا ردا على من يرى قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإن قيل : فقد روى جماعة قراءتها ، وقد تولى الدار قطني جميع ذلك في جزء صححه . قلنا : لسنا ننكر الرواية ، لكن مذهبنا يترجح بأن أحاديثنا وإن كانت أقل فإنها أصح وبوجه عظيم وهو المعقول في مسائل كثيرة من الشريعة ، وذلك أن مسجد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالمدينة انقضت عليه العصور ، ومرت عليه الأزمنة من لدن زمان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى زمان مالك ، ولم يقرأ أحد قط فيه