عبد العال سالم مكرم
85
من الدراسات القرآنية
وكان الصحابة رضى اللّه عنهم يسمون هذا الغريب : « إعراب القرآن » . ولا يقصدون به معنى : الإعراب النحوي ، لأنهم كما يقول الرافعي كانوا : « يستبينون معانيه ، ويخلصونها » وقد روى أبو هريرة : « أعربوا القرآن ، والتمسوا غرائبه » . وقد لمس هذا المعنى الزمخشري في كتابه : « أساس البلاغة » فقال : « وتكلم فأغرب إذا جاء بغرائب الكلام ونوادره ، وتقول : فلان مغرب كلامه ومغرب فيه ، وفي كلامه غرابة ، وغرب كلامه ، وقد غربت هذه الكلمة أي غمضت فهي غريبة ، ومنه قول الأعرابي : ليس هذا بغريب ، ولكنكم في الأدب غرباء » . الشواهد الشعرية والغريب : مما لا شك فيه أن اهتمام الرواة بالشعر العربي ، وجمعه وروايته ، وإقامة الدراسات حوله لنقده كان من أجل القرآن الكريم لتفسير غريبه ، وتوضيح معانيه ، والدليل على هذا قول ابن عباس رضى اللّه عنهما : « إذا قرأتم شيئا من كتاب اللّه فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب ، فإن الشعر ديوان العرب » ولاهتمام العلماء بالقرآن الكريم كان الشافعي الفقيه الكبير يحفظ عشرة آلاف بيت من شعر هذيل بإعرابها ، وغريبها ومعانيها . وحدثوا عن ابن الأنباري أنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشعر من أجل القرآن الكريم . وقد أشاد الرافعي بهذه العناية الفائقة التي وجهها العلماء إلى الشعر العربي من أجل القرآن الكريم فقال : « توسع أهل اللغة في شواهد القرآن ، ونقبوا عنها . . . إلى أن يقول : فلا يعرف في تاريخ العلوم اللسانية قاطبة شواهد تبلغ عدتها أو تقاربها أو تكون منها على نسبة متكافئة ، فإنّ ما أحصوه من شواهد القرآن فيما ذكروا ثلاثمائة ألف بيت من الشعر ولعمر أبيك إنها لمعجزة في فنها ، ولو بلغت الشواهد نصف هذا القدر لكانت المعجزة كاملة » . ويسوق لنا الإمام البيضاوي في تفسيره قصة تبين لنا في وضوح كيف كان يعجز بعض الصحابة عن فهم معاني بعض هذا الغريب ، فإذا ما فسر هذا الغريب بشعر قالته العرب استراحت النفس إلى هذا التفسير ، واطمأن القلب إلى هذا البيان . ففي قوله تعالى :