عبد العال سالم مكرم

56

من الدراسات القرآنية

العرب حقا فقال : إن ربى علمني فتعلمت » « 1 » ألا يدل هذا على أن النبي عليه السلام الذي تربى في قريش ، ونشأ بين أحضانها علمه ربه كلام العرب ، لأنه أرسل إليهم خاصة وإلى الناس عامة ؟ وكيف يتحدى العرب بهذه المعجزة الخالدة ولغة القرآن لغة قبيلة واحدة ؟ إن القول بأن القرآن الكريم إنما نزل بلسان قريش وحدها يتعارض مع النصوص القرآنية ذاتها فالنصوص السابقة التي سجلتها في مقدمة هذا البحث تؤكد أن القرآن الكريم نزل بلسان عربى مبين ، فكيف أتحكم في تفسير اللسان العربي بأنه اللسان القرشي ؟ وهل قريش وحدها العرب ؟ ذلك أمر لا يقبله المنطق . وكيف نفسر قول أبى بكر حينما سأله سائل عن قوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً « 2 » . فقال : أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني ، إن قلت في كتاب اللّه ما لا أعلم » « 3 » . وقول عمر رضى اللّه عنه حينما قرأ على المنبر وَفاكِهَةً وَأَبًّا « 4 » . فقال : « هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال - لعمرك إن هذا هو التكليف يا عمر » « 5 » فلو كان أبو بكر رضى اللّه عنه يعلم معنى « مقيتا » لما وقف حائرا أمامها ، ولاذ بالصمت في مجالها ، ولو كان عمر رضى اللّه عنه يعرف معنى « أبا » لما تساءل هذا التساؤل . كل ذلك يفسر أن القرآن الكريم « اختص بدقيق المعاني ، وكنوز الأسرار ، وعلو مرتبته في الفصاحة ، ومباينته لكلام فصحاء العرب ، كل ذلك فيه دلالة على شرفه ، وأنه فائق على غيره من سائر الكلام كله بحيث لا يدانيه كلام » « 6 » . وأحب أن أبين في هذا المقام أن العرب يختلف بعضهم عن بعض في الإلمام بهذه اللغة الواسعة التي انتشرت في أرجاء الجزيرة العربية ، وتعددت إلى لهجات ، ولا أبالغ إذا قلت : إن القبيلة الواحدة قد يعز على بعض أفرادها أن يحيطوا بقاموس لهجتها ومن هنا نعرض إلى قضية أخرى ، وهي قضية غريب القرآن .

--> ( 1 ) المسائل لابن قتيبة : ورقة - 4 : مخطوط . ( 2 ) النساء : 85 . ( 3 ) مقدمتان في علوم القرآن ص 183 . ( 4 ) عبس : 31 . ( 5 ) مقدمتان في علوم القرآن ص 183 . ( 6 ) الطراز ج 3 ص 219 .