عبد العال سالم مكرم

161

من الدراسات القرآنية

ومن أجل ذلك نحن ننكر رأى الدكتور طه حسين في كتابه « الأدب الجاهلي » الذي ألفه في صدر شبابه الفكري ليخالف ما استقر عليه رجال الفكر والعلماء من قضايا شعرية ، ومسلمات علمية . أثار الدكتور طه حسين في كتابه هذا مشكلة القراءات القرآنية ورأيه فيها كما يقول ما نصه : « إن القراءات السبع ليست من الوحي في قليل ولا كثير وليس منكرها كافرا ولا فاسقا ، ولا مغتمزا في دينه ، وإنما هي قراءات مصدرها اللهجات واختلافها ، للناس أن يجادلوا فيها وأن ينكروا بعضها ، وقد حاولوا فيها بالفعل وتماروا ، وخطأ فيها بعضهم بعضا . ولم نعلم أن أحدا من المسلمين كفر أحد الشيء من هذا ، وليست هذه القراءات بالأحرف السبعة التي أنزل عليها القرآن » « 1 » . لست أدرى ما الذي حمل طه حسين أن يلقى هذا الكلام على عواهنه ؟ إن كل كلمة في هذا النص تحمل دليل زيفها ، وحجة بطلانها ، ولو فكر قليلا لما تجرأ أن يصدر هذا الحكم قبل أن يلم بجوانب هذه القضية . وقد تكلم الباحثون قبله في القراءات واختلفوا ، وتباينت آراؤهم ولكن أحدا منهم لم يقل مثل هذا القول . وثمة دليل آخر يؤيد ما ذهبت إليه من أن القراءات ليس مرجعها اللغات المختلفة للقبائل على الإطلاق من غير أن تقيد بالسند والرواية أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه اختلف مع هشام بن حكيم في قراءة سورة الفرقان كما بينت ، وكلاهما قرشي ، فبم نفسر هذا ؟ هل اختلفت قريش ، وهي قبيلة واحدة في قراءتها ؟ أكبر الظن أن المقاييس اللغوية الحديثة لا تثبت أمام هذه الحقيقة حقيقة اختلاف القبيلة الواحدة في نطقها بعض الكلمات وإنما مرجع ذلك إلى أن أحدهما سمع من النبي صلّى اللّه عليه وسلم قراءة بعض آيات من سورة الفرقان بلهجة ما وسمعها الثاني بلهجة أخرى ، فاخذ كل منهما بالقراءة التي سمعها ، وهذا لا يتنافى في أنهما قرآ بغير لهجتهما ، لأن القرآن الكريم لم تنزل كل كلمة فيه بلهجات متعددة ، وإنما نزل بعض آياته ببعض اللهجات فحفظها الصحابة كما سمعت بغض النظر عن تلاقيها مع لهجتهم أو عدم تلاقيها . وقد وضع الأمر في نصابه ابن حجر في هذه القضية في كتابه « فتح الباري » فقد جاء

--> ( 1 ) في الأدب الجاهلي ص 95 - طبع دار المعارف بمصر .