عبد العال سالم مكرم

139

من الدراسات القرآنية

كل رواية صادقة يثق بها العالم المطلع المتمكن من علمه التصديق بها ، واطمئنان القلب إليها أن تكون ثابتة ثبوت التواتر الموجب للعلم البديهي ، وإلّا لما صحّ لنا أن نثق بأكثر النقول في أكثر العلوم والمعارف » . ثم يردّ أيضا على فئة أخرى زعمت أن كل الأحاديث لا صحة لها ولا أصل ، يقول : « ونبغ في عصرنا هذا بعض النوابغ ممن اصطنعتهم أوروبا وادخرتهم لنفسها من المسلمين ، فتبعوا شيوخهم من المستشرقين - وهم طلائع المبشرين - وزعموا كزعمهم أن كل الأحاديث لا صحة لها ولا أصل ، وأنه لا يجوز الاحتجاج بها في الدين . وبعضهم يتخطى القواعد الدقيقة الصحيحة ، ثم يذهب يثبت الأحاديث وينفيها بما يبدو لعقله وهواه من غير قاعدة معينة ، ولا حجة ولا بينة . وهؤلاء لا ينفع فيهم دواء إلا أن يتعلموا العلم ، ويتأدبوا بأدبه ثم اللّه يهدى من يشاء » « 1 » ! . الحديث النبوي في ميزان الفصاحة والبلاغة : يعتبر الحديث النبوي من حيث بلاغة التعبير ، وجزالة اللفظ ، وسمو المعنى ، وحسن النظم ، وجمال السبك فنا أدبيّا يلي القرآن الكريم من حيث الدرجة والرتبة ، ولا غرو في ذلك فمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وإن كان أميا لا يتلو كتابا ، ولا يخط بيمينه حرفا قد أوتى جوامع الكلم ، وهي جوامع شحنت بما يدلّ على العقل الواسع ، والفكر المتزن ، والإدراك الكبير للثقافة والعلم . وخير ما نسترشد به في هذا المقام إجابته صلّى اللّه عليه وسلم المشهورة لأبى بكر الصدّيق رضى اللّه عنه حينما سأله مرّة فقال : لقد طفت في العرب ، وسمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك فمن أدّبك ؟ قال : أدّبنى ربى فأحسن تأديبى » . ومن الحق أن نقول : إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم تربّى في رحاب القرآن ، فأشرق كلامه ، وسما أسلوبه ، وعلت فصاحته مما جعله أبلغ العرب إلى جانب النشأة الأولى التي عاشها في البادية حيث استرضع في بنى سعد بن بكر « والبادية تطبع من يعيش فيها ، ويحيا بها على سلائق فصيحة وألسنة ذليقة إلى عارضة شديدة ، وبداهة عجيبة ، واستحواذ على جيد الكلام « 2 » » .

--> ( 1 ) مقدمة كتاب : « الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث » لابن كثير - تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر . ( 2 ) الأعرابيات : خليل مردم / 6 .