عبد العال سالم مكرم
120
من الدراسات القرآنية
الأصمعي عن عمه أن الرشيد سأله عن شعر لأبى حزام العكليّ ، ففسره . فقال : يا أصمعىّ : إن الغريب عندك لغير غريب ، فقال : يا أمير المؤمنين : ألا أكون كذلك ، وقد حفظت للحجر سبعين اسما « 1 » . وقد روى أكثر المؤرخين « أن المعرّى الشاعر المعروف عثر - وهو داخل إلى مجلس الشريف المرتضى في بغداد - برجل ، فقال هذا مغضبا : من هذا الكلب ؟ فقال المعرى : الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما » . وقد حفزت هذه الكلمة الجلال السيوطىّ إلى تتبع كتب اللغة باحثا منقبا حتى عثر على هذه الأسماء ، فنظمها في أرجوزة سماها : ( التّبرّى من معرة المعرى ) « 2 » . علام يدلّ هذا ؟ ألا يدل على أن اللغة العربية التي حوت ألفاظها هذه المعاجم - التي أشرت إليها - ليست كل اللغة ، وإنما هي جزء قليل تمثله نصوص شعرية ونثرية وصلت إلينا عن طريق الرواة . وكانت الذاكرة هي السجل الأول لهذه الروايات . والذاكرة مهما كانت قوية لا تستطيع أن تستوعب كل ما نطق به العرب قبل الإسلام . إنها طاقة محدودة تقف عاجزة أمام الاستقراء الكامل لمعارف العرب ، وأفكارهم ، وأساليبهم ، ومعانيهم ، وصور تعبيراتهم . وليس معنى ذلك أن العرب فشت فيهم الأميّة ؛ لأنهم اعتمدوا على الذاكرة ، لأن الأمية في العرب القدماء ليست قضية نسلم بها ، لأن هذا يتناقض مع الروايات التاريخية التي تنصّ على أن كتّاب الوحي على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كانوا يدونون القرآن الكريم بل إنها تؤكد : « أن القرآن الكريم كان مجموعا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأنه ما نزلت آية إلا وقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من يكتب له أن يضعها في موضع كذا من سورة كذا » « 3 » .
--> ( 1 ) الصاحبى لابن فارس 21 . ( 2 ) النقد واللغة في رسالة الغفران للدكتور أمجد الطرابلسي 24 ، 35 . ( 3 ) مقدمتان في علوم القرآن : وهما مقدمة : كتاب ( المباني ) لمؤلف مجهول ، ومقدمة ابن عطية 27 . وانظر القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية للدكتور / عبد العال سالم مكرم ص 135 .