عبد الفتاح اسماعيل شلبي

76

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

وما كان لأبى على وهذا مسلك أساتذته ، أن يتخلى عن هذه الفضيلة فيما يحكيه ولا يزال الناس - بعد أبي على - يتواصون بهذه الأمانة العلمية حتى قالوا : « من بركة العلم وشكره عزوه إلى أهله » « 1 » . وقد عرف ابن جنى هذه النزعة في أستاذه ، وقد نقل ذلك السيوطي « 2 » عن الخصائص « 3 » . ( ثالثا ) أن أبا على حين أورد أقوال القدامى في أمانة لم يقف أمامها مختفية شخصيته ؛ بل ناقش ، واعترض ، ورد ، وأورد الدليل ، وصحح ، ورأى ، ونظر ، وأكد ، ورجح ، واستشهد ، ولا يتأتّى شئ من ذلك في قوة إلا إذا كان مصحوبا بذكر آراء غيره منسوبا إليه على قدر علمه به في شك أو يقين . عقيدة أبى على ( ا ) اعتزاله : أول المصادر التي تحدثت عن اعتزال أبى على - فيما أعلم - الخطيب البغدادي ( ت 462 ه ) في تاريخ بغداد ، وقفى قفوه المؤرخون من بعده كابن الأنباري ( 577 ه ) في نزهة الألباء ، وياقوت ( 626 ه ) في معجم الأدباء ، والقفطي ( 646 ه ) في إنباه الرواة ، وابن خلكان ( 681 ه ) في وفيات الأعيان . . . والعبارة التي تجرى في كتب هؤلاء المؤرخين : « إن أبا على كان متهما بالاعتزال » وقال ابن الأثير في الكامل - وقيل كان معتزليا « 4 » ، وتبعه أبو الفداء في تاريخه « 5 » ، ويثير التساؤل قول هؤلاء المؤرخين : « إن الاعتزال تهمة » فهل لذلك من تفسير ؟ التاريخ يحدثنا عن المعتزلة وسلطانهم عصر المأمون الذي قال بخلق القرآن كما قال المعتزلون ، وكذلك بقي سلطانهم في عصر المعتصم « 6 » ، وقد نهج الواثق ( 732 ه ) نهج عمه المأمون في حبه للنظر ، وبغضه التقليد ، وكان يعقد مجالس المناظرة بين الفقهاء والمتكلمين ، ومن أجل ذلك أخذت مسألة خلق القرآن في عهده شكلا حادا « 7 » ، وكان يتشبه بالمأمون في حركاته وسكناته « 8 » .

--> ( 1 ) انظر المزهر : 2 / 319 . ( 2 ) انظر المزهر : 2 / 417 . ( 3 ) انظر 2 / 608 وما بعدها . ( 4 ) 9 / 19 . ( 5 ) 2 / 131 . ( 6 ) ضحا الإسلام : 3 / 13 . ( 7 ) تاريخ الأمم الإسلامية : ( الدولة العباسية 253 ) . ( 8 ) الفخري : 209 .