عبد الفتاح اسماعيل شلبي
77
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
وجاء المتوكل ( ت 247 ) ولم يكن محبا للجدل أو النظر ، فأمر الناس بالتسليم والتقليد ، وأمر الشيوخ المحدثين بالتحديث ، وإظهار السنة والجماعة « 1 » ، ومن هنا ضعف شأن المعتزلة ، وأخذ سلطانهم يضمحل . وقدر لمذهب أهل السنة أن يظهر بجهود أبى الحسن الأشعري « 2 » ، في حدود الثلاثمائة ، وكان أول أمره معتزليا ثم خرج على المعتزلة « 3 » ، بعد أن تسلح بالأسلحة المنطقية التي أمدوه بها ، وحاربهم بها بقية حياته « 4 » ، ودفع الكتب التي ألفها على مذاهب أهل السنة ، وكان المعتزلة قبل ذلك قد رفعوا رؤوسهم فحجرهم الأشعري حتى دخلوا في أقماع السماسم « 5 » . وإذا كان الأشعري معاصرا لأبى على الفارسي ( توفى الأشعري 324 ه ) ، وإذ بلغ ذيوع مذهب أهل السنة ، واندحار المعتزلة هذا المبلغ الذي ذكره ابن خلكان ، فلا غرو أن يستر المعتزلون اعتزالهم ، ولا يظهره إلا ذو وسوسة أو جنون ، كالذي كان من سيبويه المصري الموسوس ( ت 358 ه ) فيما يروى ابن زولاق في أخباره من أنه كان يظهر الكلام في الاعتزال في الطرق والأسواق فيحتمل ، لما هو عليه ، حدثني من حضره يوم الجمعة في سوق الوراقين في جمع كبير ، وفي الحاضرين موسى بن رباح الفارسي المتكلم أحد شيوخ المعتزلة المشهورين ، فكان سيبويه يصيح ويقول الدار دار كفر ! ، حسبكم أنه لم يبق في هذه البلدة العظيمة أحد يقول القرآن مخلوق إلا أنا ! ، وهذا الشيخ أبو عمران ( أبقاه اللّه ) ، فقام أبو عمران يعدو حافيا ؛ خوفا على نفسه حتى لحقه رجل بنعله ! ! « 6 » ومن هنا كان الاعتزال تهمة ، وذلك تأويل ما نص عليه المؤرخون إذا ما ذكروا عقيدة الفارسي من أنه : « كان متهما بالاعتزال » . بعد أن بينت السر في توارث المؤرخين بأن أبا على كان متهما بالاعتزال ، - بقي أن أحقق اعتزاله ، هل كان معتزلا حقا ؟ ذلك لأن عبارة المؤرخين لا تنص صراحة على أنه كان معتزليا ، اللهم إلا ما ذكره أبو الفتح منصور بن المعذر
--> ( 1 ) المسعودي : 2 / 288 . ( 2 ) مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى زادة : 2 / 37 . ( 3 ) تاريخ الفلسفة دىبور ترجمة أبي ريدة : 65 . ( 4 ) وانظر تاريخ الإسلام السياسي : 3 / 229 . ( 5 ) وفيات الأعيان : 2 / 447 . ( 6 ) كتاب أخبار سيبويه المصري : 18 .