عبد الفتاح اسماعيل شلبي
188
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
الأندلسي تلميذ الفارسي كان مغرى بكلام الجاحظ حتى أنه « رضى بكتبه في الجنة عوضا عن نعيمها « 1 » ! ! » . وكان الميدان الذي يعمل فيه أبو علي ميدانا جافا : ميدان النحو والصرف ، والتوجيه الإعرابى ، والتدليل المنطقي ، فإذا أضيف إلى ذلك أسلوب أبى على وطريقته في للتدليل ، وإيثاره التطويل ، كان العناء الذي يحسه القارئ لكتابه الحجة ، فتجاوز بذلك حاجة القراءة إلى ما يجفو عنه كثير من العلماء « 2 » . وحتى منع كثيرا ممن يدعى العربية - فضلا على القراءة - منه ، وأجفاهم عنه « 3 » . ومن المهم أن أبين أن هذه النزعة بلغت أشدها في الأجزاء الأولى من الكتاب ثم أخذت تتناقص تدريجيا ، ولعل السبب في ذلك أنه كان يحيل إلى النظائر السابقة دون ميل إلى التكرار « 4 » . ( ثانيا ) : يبدو أن أبا على - وقد جاء بعد أستاذه ابن السراج - أراد أن يفيض بما عنده من علم وثقافة في الاحتجاج ، حتى يظهر فرق ما بين الرجلين ، والمدى الشاسع بين النزعتين ، وتلك كانت سنة أبى على مع المعاصرين « 5 » . ( ثالثا ) الجو الذي ألف فيه أبو علي كتابه الحجة ؛ فهو كما استظهرت آنفا ألّفه بعد أن استقرت الحال بعضد الدولة ، ومن هنا كان الدرس المتأنى المتقصى ، المستوعب ، الجامع لثقافة العمر . هذا الأسلوب من الإغماض والإبهام ، وهذه النزعة من الإطالة والاستقصاء أغضبت القراء ، وأجفتهم عن الحجة ، وإذا كان ابن الشجري يقرر أن أبا على يفسر أحيانا فيزيد تفسيره إشكالا « 6 » . وأنه أحيانا يلغز فيبهم « 7 » . فما ذا يكون موقف القراء ؟
--> ( 1 ) بغية الوعاة : 282 . ( 2 ) المحتسب : 60 . ( 3 ) المحتسب : 1 / 288 ، وانظر المحتسب أيضا : 1 / 400 - 401 ، 2 / 226 - 261 . ( 4 ) يشير أبو علي كثيرا إلى ما تقدم كقوله : « قد قلنا فيما تقدم في الذرية أن يكون واحدا وجمعا : الحجة : 4 / 57 ، وكقوله في : تأتيهم الملائكة بالياء والتاء » وقد تقدم هذا النحو في غير موضع انظر الحجة : 4 / 133 - وفي تحقيق الهمزتين يقول : وقد تقدم القول في أوائل هذا الكتاب : 4 / 289 وانظر الحجة : 6 / 35 ، 36 ، 45 ، 79 ، 96 ، 131 . ن البلدية . ( 5 ) انظر في ذلك الحديث عن الاغفال . ( 6 ) امالى ابن الشجري : 1 / 182 . ( 7 ) المصدر السابق : 1 / 317 .