عبد الفتاح اسماعيل شلبي

126

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

أمسك ، فسألته عن غيرها ، وعن غيرها ، وافترقنا ، فلما كان الغد اجتمعت معه عند أبي العباس ، وقد أحضر جماعة من أصحابه ، فسألوني فلم أر فيهم طائلا ، فلما انقضى سؤالهم قلت لأكبرهم : كيف تبنى من سفرجل مثل عنكبوت ؟ فأجابه مسرعا : سفر روت ، فلما سمعت ذلك قمت في المسجد قائما وصفقت بين الجماعة : سفر روت سفر روت ! ! فالتفت إليهم أبو بكر وقال : « لا أحسن اللّه جزاءكم ، ولا أكثر في الناس أمثالكم « 1 » ؛ خجلا مما جرى ، واستحياء من أبى على « 2 » وافترقنا فكان آخر العهد بهم « 3 » ، وهذه الحكاية إلى جانب ما استشهدت بها عليه - تدل على براعة أبى على في التصريف ، وتنقله في مجالس العلم ، ومناصرته أهله من الشيوخ ، ونابغى الطلاب ؛ فها أنت ذا ترى أنه يكلم ابن الخياط إلى أن يمسك ، وأنه يقبل على أكبر طلابه سنا ، وأرجحهم عقلا ، وأوسعهم علما عند نفسه ، فيلقى عليه هذه المسألة الصرفية التي يجيب عنها إجابة تخجل أبا بكر بن الخياط ، وتبعث في نفسه الاستحياء من أبى على ، ثم يكون الافتراق بين الرجلين الذي لا لقاء بعده . وهكذا يرتفع أبو علي عن طبقة شيوخه الذين تلقى عنهم ، فيتعرض للزجاج في كتابه الاغفال ، ويعرض احتجاجه للقرآن جنبا إلى جنب احتجاج شيخه أبى بكر ابن السراج على النحو الذي عرضت له في مكان آخر من ذلك البحث ، ويتحدث في بعض كتبه أن شيوخه كانوا يسألونه « 4 » . ويتعرض لابن دريد بقوله : « وقد كان شيخ من أهل اللغة وزن هذه الكلمة - يستعور - بيفتعول حتى نبه عليه ، وله فيما كان أملاه من الأبنية حروف كثيرة تحتاج إلى إصلاح » « 5 » وبهذا يرتفع أبو علي عن شيوخه المعاصرين ، ويعلو باسناده إلى المصادر الأولى « 6 » . وقد بينت في حديثي عن ثقافة أبى على انتفاعه بالشيوخ القدامى أمثال الأصمعي وأبى عبيدة ، وأبى عثمان المازني ، وأحمد بن يحيى ثعلب ، كما أوردت في غضون عرضى لمسائله مهاجمة القراء ، والكسائي ، والمبرد ثم ثعلب حينا ، ورأيت أبا على لم يكن يعجبه نقل اللحياني « 7 » . كما رأيته يهاجم ابن السكيت ( هو أبو يوسف يعقوب ابن

--> ( 1 ) الخصائص : 2 / 594 وما بعدها 274 نحو تيمور . ( 2 ) معجم الأدباء : 7 / 235 . ( 3 ) الخصائص : 2 / 595 . ( 4 ) انظر الحجة : 1 / 326 مراد ملا . ( 5 ) البغداديات : لوحة رقم 4 . ( 6 ) انظر طبقات الزبيدي : 127 . ( 7 ) المخصص : 3 / 146 ، 4 / 44 ، 14 / 232 وهو علي بن حازم اللحياني ، انظر نزهة الألباء : 122 .