عبد الفتاح اسماعيل شلبي

111

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

فقال : « وهذا أحسن واللّه ! لقد أطلت يا أبا الفتح ، فأخبرنا من القائل ؟ ؟ قال : « هو الذي لا يزال الشيخ يستثقله ، ويستقبح زيه وفعله ، وما علينا من القشور إذا استقام اللب ! » قال أبو علي : « أظنك تعنى المتنبي ! » قلت نعم ! قال : واللّه لقد حبّبته إلى ، ونهض ودخل إلى عضد الدولة ، فأطال في الثناء على أبى الطيب ولما اجتاز به استنزله واستنشده ، وكتب عنه أبياتا « 1 » . ومن المهم هنا أن أشير إلى ما سلكه ابن جنى من لطف المدخل ، وحسن التأتي ! فقد عرض أبياتا على الشيخ أبى على قصد إليها عامدا ؛ لأنها من ذلك النوع الذي يتأثر به الفارسي ، وينتزع منه إعجابه . فالأبيات في مجموعها تحتوى على مقابلات أحوال بأحوال في صورة منطقية عامة : فهي حالت دون المزار فشفه الوجد حتى حال تخوله دون العناق ! وسواد الليل يشفع زائرا ، وبياض الصبح يغرى به منثنيا ، ثم هذا البيت المملوء كلمات نحوية : سوف - قد - ثم - هنا ، والإشارة الدالة على معانيها ، واستغلال هذه المعاني ، في تصوير ما أراد الشاعر من المدح بمضاء الإرادة ، وبعد الهمة ! . . ذلك منهج تفكير أبى على النحوي المنطقي ، وقد كان ابن جنى ماهرا حين عرض هذه الأبيات لاسترضاء الشيخ دون سواها ، وقد مكنته هذه الصحبة الطويلة ، لأبى على في الحل والارتحال - إلى ذكائه - من تفهم نفسية أبى على والغوص في أعماقها ، والتعرف على خطواتها ، فقدم إليه المتنبي وأنزله من نفسه بأبيات مليئة بالأدوات النحوية ، قريبة من صنعة النحاة ، وصنعة أبى على بوجه خاص . وكان لابن جنى مندوحة عن هذا الشعر المصنوع بشعر المتنبي المطبوع ، ولكنها نزعة أبى على عرفها ابن جنى ، ودلف إلى شيحة منها ، فكان أثرها في إقبال الشيخ على المتنبي ذلك الإقبال الذي يرويه المؤرخون . ومن هنا أرى في هذه النزعة غير ما رأى الدكتور إبراهيم سلامة ، في قوله على التعميم : « بل كانوا - أي النحاة - أدباء ومشتغلين بالأدب في الأقل ، لأن الأدب مادة عملهم ، والمقياس الذي يرجعون إليه إذا اختلط عليهم الأمر « 2 » » . فلم يكن نظر الكثير منهم في الأدب اشتغالا به ؛ بل كانوا - أو على الأقل أبو علي

--> ( 1 ) الصبح المنبئ على هامش العكبري : 1 / 710 . ( 2 ) محاضرات في البلاغة والنقد : 20 .