عبد الفتاح اسماعيل شلبي
109
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
أولا : أن أبا على لم يرزق حظا من الطبع الذي هو ملاك قول الشعر ، والذي بدونه لا تغنى مواده شيئا . ثانيا : انه لم يقل هذه الأبيات الثلاثة إلا بأخرة من زمنه ، بدليل أنه قالها في المشيب ما لم يكن قالها تفصحا ومحاكاة لغيره في الموضوع . ثالثا : أنه في هذه الأبيات ينزع ذلك النزوع العقلي الذي عرف عنه ، واشتهر به ، فالتعليل يبدو واضحا في كل بيت من الأبيات الثلاثة : ( ا ) ففي الأول منها القول بالأولى والأجدر . ( ب ) وفي البيتين الآخرين تقليب الأمر على وجوهه ، ثم ترجيح وجه منها . فكأنه في هذه الأبيات الثلاثة أمام مسألة نحوية يدلل على رأيه فيها مستعينا بمناهج البحث المنطقي . ويبدو أن أبا على - بالرغم من كثرة حفظه للاشعار - كان لا ينظر إلى الشعر على أنه وسيلة من وسائل التذوق الأدبي والاستمتاع الفنى ، فهو إن نظهر في بيت نظر إليه من حيث الإفادة اللغوية ، أو الصناعة النحوية ، يفتش فيه عن لفظ أو يبحث فيه عن شاهد من شواهد النحو يضيفه إلى هذه الشواهد التي رواها الأئمة السابقون ، أو يستنتج منه دليلا على رأى يراه ، ومن الدلائل عندي على أنه كان ينظر إلى الشعر هذه النظرة : نظرة النحوي المستشهد ، لا نظرة الأديب المستمتع ما جاء في البصريات من قوله : مما أصبت مما أعمل فيه الثاني قول كثير : قضى كل ذي دين فوفىّ غريمه * وعزة ممطول معنّى غريمها أعمل الثاني وهو : فوفى « 1 » . وما رواه ابن جنى في مشابهة معاني الإعراب معاني الشعر ، وأن الذي نبه إليه أبو علي وضرب لذلك أمثلة منها : قولهم في ( لا ) النافية للنكرة أنها تبنى معها فتصير كجزء واحد من الاسم نحو : لا رجل في الدار ، ولا بأس عليك ، وأنشد أبو علي في هذا المعنى خيط على زفرة ، فتم ولم * يرجع إلى دقة ، ولا هضم « 2 »
--> ( 1 ) البصريات 68 . ( 2 ) الخصائص : 1 / 560 وانظر هناك شرح البيت . والزفرة : وسط الفرس بقال : إنه لعظيم الزفرة ، وبعير مزفور شديد تلاحم المفاصل ، .