نصر حامد أبو زيد

91

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

صلّى اللّه عليه وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري راقدا . وأقبل أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال : حبست الناس في قلادة ، ثم إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم استيقظ وحضرت الصلاة فالتمس ماء فلم يجد فنزلت « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ » إلى قوله : « لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . فالآية مدنية اجماعا ، وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلاة ، قال ابن عبد البر : معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يصلّ منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند . قال والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ليكون فرضه متلوا بالتنزيل . وقال غيره : يحتمل أن يكون أول الآية نزل مقدّما مع فرض الوضوء ثم نزل بقيتها وهو ذكر التيمّم في هذه القصة ، قلت : يرده الاجماع أن الآية مدنية « 1 » . إن ما ترويه السيرة عن كيفية تعليم جبريل للنبي الوضوء والصلاة . معا بطريقة عملية هو الأقرب إلى تصور مفهوم شامل للنص الديني « 2 » ، ذلك أن القرآن لم يتضمن كيفية الصلاة ولا عدد الركعات ولا تحديد الفروض من النوافل وانما أشار إشارة مجملة إلى فرض الصلاة وإلى وجوبها . وفي مثل هذا التصور لا يتخلف النص عن الحكم ، بل يكون النص مقارنا للحكم ومتزامنا معه . ومع ذلك فآية سورة المائدة محل الخلاف ليست « نصّا » في الوضوء بل هي « نص » في التيمم ، بمعنى أن ذكر الوضوء فيها ليس مقصودا لذاته بل جاء توطئة لذكر التيمّم وهو محور الموقف الذي نزلت الآية استجابة له . وبالمثل فان آية سورة الجمعة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 3 » . ليست نصا في فرض صلاة الجمعة بل هي نص في « وجوب » ترك البيع ، وبناء النص نفسه يدل على ذلك . وعلى ذلك فلا معنى لمحاولة التوفيق بين كون الآية مدنية وكون الصلاة فرضت في مكة . وكذلك يمكن أن يقال عن آية الزكاة : « إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ . . . » الآية ، فهذه الآية نزلت بعد فرض الزكاة ، فهي ليست نصا في الزكاة وانما هي نص في مصارف الزكاة وفي تحديد وجوه توزيعها والمستحقين لها . وإذا كان افتراض تأخر نزول النص عن الحكم افتراضا وهميا ناتجا عن قصور في مفهوم النص الديني من جهة ، وعن عجز في التحليل اللغوي للنصوص من جهة أخرى ، فان افتراض تأخر الحكم عن النص ، أو بكلمات أخرى تقدم النص زمانيا على حكمه ودلالته

--> ( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 37 . ( 2 ) انظر الجزء الأول : ص 227 - 228 . ( 3 ) الآية 9 .