نصر حامد أبو زيد

92

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

نابع هو الآخر من مجموعة من الأخطاء نوردها على النحو التالي : 1 - عدم التفرقة بين الدلالة اللغوية والدلالة الشرعية في النصوص ، وذلك رغم إدراك العلماء نظريا لعملية التطوير الدلالي التي أضفاها النص على كثير من ألفاظ اللغة خاصة في مجال الأحكام الشرعية والعبادات . من ذلك مثلا تصورهم ان قوله تعالى : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى » « 1 » نصّ في الزكاة رغم أنها آية مكية : ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة ولا صوم ، وأجاب البغوي بأنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم « 2 » . والآية في الحقيقة لا علاقة لها بالزكاة بالمعنى الفقهي الشرعي ، بل التزكي هنا مقصود معناه اللغوي ، وهو معنى مستخدم بكثرة في القرآن . ومع ذلك فالاستخدام القرآني لنفس اللفظ في سورة تالية - من حيث ترتيب النزول - يجعل التزكي بإتيان المال وذلك في قوله تعالى : - وسيجنبها الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى . « 3 » ولو كان المقصود الزكاة الشرعية لكان ذكر المال نوعا من الاطناب المرذول الذي يتنزه عنه النص . وقد كان من نتيجة هذا الخلط بين الدلالات اللغوية والدلالات الشرعية للألفاظ أن ذهب بعض العلماء إلى ورود بعض الأحكام الشرعية الفقهية في السور المكية ، وهو رأي نابع من ذلك الخلط الذي أشرنا اليه . يقول ابن الحصار : قد ذكر اللّه الزكاة في السور المكيات كثيرا تصريحا وتعريضا بأن اللّه سينجز وعده لرسوله ويقيم دينه ويظهره حتى يفرض الصلاة والزكاة وسائر الشرائع ولم تؤخذ الزكاة إلا بالمدينة بلا خلاف . وأورد من ذلك قوله تعالى : « وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ » وقوله في سورة المزمل : « وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ » ومن ذلك قوله فيها « وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » ، ومن ذلك قوله تعالى : « وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً » فقد قالت عائشة وابن عمر وعكرمة وجماعة أنها نزلت في المؤذّنين والآية مكية ولم يشرع الأذان إلا بالمدينة « 4 »

--> ( 1 ) سورة الأعلى : الآية 14 . ( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن الجزء الأول : ص 36 . ( 3 ) سورة الليل : الآيات 17 - 20 ، وانظر في سبب نزولها : السيرة النبوية : الجزء الأول ، ص 278 - 279 . ( 4 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 36 .