نصر حامد أبو زيد
90
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
الطبيعي أن يفترضوا أيضا - بحكم علاقة التلازم المنطقي - امكانية أن ينزل الحكم أولا في المرحلة المكية ، ثم يرد النص الدالة عليه بعد ذلك في المرحلة المدنية . ويؤدي الافتراض الأول إلى وجود نصوص معطلة عن أحكامها ، أي نصوص غير دالة ، والنص إذا كان غير دال فقد أهم خاصية فيه بوصفه نصا ، أو بالأحرى يتوقف عن أن يكون نصا . أما الافتراض الثاني فيؤدي بداهة إلى امكانية الوحي / الاتصال بدون نصّ ، وإلا فكيف ينزل حكم بلا نص ؟ وإذا كان علماء القرآن يدركون دون شك أن « السنة » نص فلا شك أن افتراضهم تأخر النصوص عن أحكامها افتراض ناشئ عن تجاهلهم أحيانا - أو تناسيهم - لنص « السنة » . إن هذا الافتراض معناه أن تصور هؤلاء العلماء للنص الديني تصور يقصره على « القرآن » ويرى السنة « مذكرة تفسيرية » ، وهذا تصور مخالف لتصور الفقهاء والأصوليين . ولذلك يستند الفقهاء في استخراج الأحكام إلى كل من القرآن والسنة ، ويعتبر الاجماع عند جميعهم نصا ، وان كانوا اختلفوا حول « القياس » . والمقصود بذلك أنهم اعتبروا كل ذلك دلالات شرعية يمكن استخراج الأحكام على أساسها . ولو تنبه علماء القرآن لهذا الربط بين الدلالات الشرعية لأدركوا أن افتراضهم امكانية تأخر نزول النص عن الحكم مجرد افتراض ذهني يعتمد على فصل بين جانبي النص الديني . ومن تحليل الأمثلة التي يوردها العلماء دليلا على تأخر نزول النص عن حكمه يمكن أن نكتشف طبيعة الخطأ الذي وقعوا فيه والناشئ - كما سبقت الإشارة - عن محاولتهم تقبّل جميع المرويات الواردة عن القدماء دون نقد أو تحليل . والمثال الأول آية التيمّم التي ذهب البعض إلى أنها مدنية استنادا إلى سبب النزول ، وهذا يتعارض بالقطع مع حقية أن الصلاة فرضت في مكة . والآية هي قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ، وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ، ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . « 1 » ويروى سبب نزول الآية على الوجه التالي : عن عائشة قالت : سقطت قلادة لي بالبيداء ، ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول اللّه
--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 6 .