نصر حامد أبو زيد
89
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
القراء للسخاوي بعد أن حكى القول بنزول الفاتحة مرتين : فان قيل : ما فائدة نزولها مرة ثانية ؟ قلت : يجوز أن تكون نزلت أول مرة على حرف واحد ونزلت الثانية ببقية وجوهها نحو ملك ومالك والسراط والصراة ونحو ذلك « 1 » وإذا كانت قضية « الأحرف السبعة » ذاتها إذا فسرت في سياق جدلية النص مع الواقع من جهة ، وعلى ضوء شفاهية تلقي النص وشفاهية أدائه من جهة أخرى يمكن أن تؤكد استجابة الوحي للواقع فان طرح السخاوي لها من خلال هذا المنظور يساهم في إلقاء مزيد من الغموض على ظاهرة « أسباب النزول » و « المكي والمدني » ناهيك عن القضاء على مفهوم النص ذاته . لقد كانت الأحرف السبعة في حقيقتها نوعا من التسهيل على المسلمين في قراءة النص مراعاة لواقع التعدد اللغوي في الجزيرة العربية ، لتعدد لهجات القبائل المختلفة . 5 - الفصل بين النص والحكم لا شك أن علاقة التلازم بين المنطوق اللغوي للنص وبين دلالته أمر بديهي . وهو ما أشار اليه ابن خلدون وهو يفرق بين حالتي الوحي بالقول إن : التلقي من الملك والرجوع إلى المدارك البشرية وفهمه ما ألقي عليه كله كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر ، لأنه ليس في زمان ، بل كلها تقع جميعا فيظهر كأنها سريعة ، ولذلك سميت وحيا لأن الوحي في اللغة الاسراع « 2 » . وهو ما نعبر عنه بلغة أقرب إلى المعاصرة فنقول إن علاقة الاتصال اللغوي بين مرسل ومستقبل لا تنقسم إلى علامات يتبعها العلم بالدلالة ، بل حركة الفهم وفك شفرة الرسالة تتزامن مع عملية البث من جانب المرسل . وتذهب بعض اتجاهات الفكر المعاصر إلى أن عملية فهم النصوص لا تبدأ من قراءة النص ، بل تبدأ قبل ذلك من الدوال الرابطة بين الثقافة التي تمثل أفق القارئ وبين النص « 3 » وفي حالة النص القرآني لا بد أن يتزامن « سبب النزول » مع النص مع حكمه أو دلالته . لكن علماء القرآن أحيانا ما يلغون علاقة التلازم والتزامن الضرورية هذه بين النص والدلالة وذلك بافتراضهم امكانية أن يسبق النصّ الحكم ، بمعنى أن ينزل النص أولا في المرحلة المكية ثم يتقرر حكمه الشرعي أو الفقهي بعد ذلك في المرحلة المدنية . وكان من
--> ( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 35 - 36 . وانظر أيضا الطبري : جامع البيان في تأويل اي القرآن ، الجزء الأول ، ص 29 - 31 . ( 2 ) المقدمة : ص 98 . ( 3 ) انظر : PeterW . Nesselroth , Literary Identity