نصر حامد أبو زيد

77

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

وليس فيها ( يا أيها الذين آمنوا ) فهي مكية ، وفي ( الحج ) اختلاف » « 1 » . لكن هذا المعيار معيار ناقص ذلك أن مخاطبات القرآن كثيرة جدا ، والمخاطبين بالقرآن - كما سلفت لنا الإشارة - يتجاوزون ثنائية « الناس » و « المؤمنين » « 2 » . وكيف نصنف مثلا ما ورد في القرآن خطابا للرسول المتلقي الأول للوحي وهو كثير ؟ إن معيار التصنيف يجب أن يستند إلى الواقع من جهة وإلى النص من جهة أخرى ، إلى الواقع من حيث أن حركة النص ارتبطت بحركته ، وإلى النص من حيث مضمونه وبنائه ، ذلك أن حركة النص في الواقع تنطبع آثارها في جانبي النص . فإذا نظرنا إلى حركة الواقع فلا بد أن ندرك أن حدث « الهجرة » من مكة إلى المدينة لم يكن مجرد انتقال في المكان . وإذا كانت مرحلة الدعوة في مكة لم تكد تتجاوز حدود « الانذار » إلى حدود « الرسالة » إلا قليلا ، فان النقلة إلى المدينة حولت الوحي إلى « رسالة » . والفارق بين « الانذار » و « الرسالة » أن الانذار يرتبط بمصارعة المفاهيم القديمة على مستوى الفكر والدعوة إلى المفاهيم الجديدة ، ان « الانذار » بهذه المثابة تحريك للوعي لإدراك فساد الواقع والنهوض من ثم إلى تغييره . و « الرسالة » تعني بناء أيديولوجية المجتمع الجديد . ولم يكن يمكن أن تتم هذه النقلة فجأة ، فقد بدأت هذه المرحلة الثانية فعلا حين بدأ النبي - بعد الهجرة الأولى لبعض المسلمين إلى الحبشة - يعرض نفسه على الوفود التي كانت تأتي إلى مكة في موسم الحج ، فبايعه أهل يثرب على أن يفدوه مما يفدون منه أهلهم وأبناءهم بعد أن قبلوا « الاسلام » . وكان ذلك ايذانا بتحول جديد في تاريخ الدعوة ، ومن ثم في حركة النص . إن معيار التصنيف الذي يستند إلى الواقع اذن يجب أن يقوم على أساس التفرقة بين هاتين المرحلتين ، والتسمية « المكي والمدني » يجب أن لا تكون إشارة للمكان فحسب ، بل يجب أن تكون إشارة إلى مرحلتين تاريخيتين . من هذا المنطلق نختار أن : المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها ، سواء نزل بمكة أم بالمدينة ، عام الفتح أو عام حجة الوداع أم بسفر من الأسفار « 3 » . وفي مثل هذا التعريف نعتبر ما نزل في مكة بعد الهجرة مدنيا ما دام معيار المكان ليس

--> ( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 188 ، وانظر أيضا السيوطي في الاتقان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 17 . ( 2 ) انظر الزركشي : المصدر السابق : الجزء الثاني ، ص 217 - 253 والسيوطي : المصدر السابق : الجزء الثاني ، ص 33 - 35 . ( 3 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 9 .