نصر حامد أبو زيد
78
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
هو أساس التصنيف ، ويكون ما نزل في طريق السفر إلى المدينة أول مرة مكيا ، ولا اعتبار لأي معيار آخر . لكننا لا يمكن أن نعتمد على هذا المعيار وحده للتفرقة بين المكي والمدني ، فالوثائق التاريخية المتوفرة لدينا من أقوال الصحابة والتابعين غير كافية وغير حاسمة في نفس الوقت . قال القاضي أبو بكر في الانتصار : انما يرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين . ولم يرد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك قول لأنه لم يؤمر به . ولم يجعل اللّه علم ذلك من فرائض الأمة ، وان وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول . « 1 » وفي حالة غياب الوثائق الحاسمة فان الاعتماد على الذاكرة يجعل التفرقة - اعتمادا على الرواية وحدها - مسألة اجتهادية ، لذلك وضع العلماء القدماء بعض المعايير المضمونية من النص ذاته للتفرقة بين المكي والمدني ، فذهبوا إلى أن : كل سورة فيها « يا أيها الناس » وليس فيها « يا أيها الذين آمنوا » فهي مكية وفي الحج اختلاف . وكل سورة فيها « كلا » فهي مكية ، وحكمة ذلك أن نصفه الأخير ( نصف القرآن حسب ترتيب التلاوة لا حسب ترتيب النزول ) نزل أكثره بمكة وأكثرها جبابرة ، فتكررت فيه على وجه التهديد والتعنيف لهم والانكار عليهم بخلاف النصف الأول . وكل سورة فيها حروف المعجم فهي مكية إلا البقرة وآل عمران ، وفي الرعد خلاف . وكل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة وكل سورة فيها ذكر المنافقين فمدنية سوى العنكبوت . كل سورة فيها الحدود والفرائض فهي مدنية ، وكل ما كان فيه ذكر القرون الماضية فهي مكية « 2 » . وليست هذه الخصائص جامعة مانعة كما أدرك القدماء أنفسهم ، بل هي خصائص وصفات على التغليب : فان سورة البقرة مدنية ، وفيها ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) وفيها ( يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ) . وسورة النساء مدنية ، وفيها ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) ، وفيها
--> ( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 9 - وانظر الزركشي : البرهان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 191 - 192 . ( 2 ) انظر السيوطي : المصدر السابق ، ص 17 - 18 ، وانظر أيضا الزركشي ، المصدر السابق ، ص 188 .