نصر حامد أبو زيد

6

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

ذاته ، وذلك في محاولة لاكتشاف مكوناته وآلياته الخاصة ودوره الإيجابي في عملية التأويل . إن التركيز على دور المفسر في فهم النص وفي تحديد دلالته ومغزاه قد يوهم أن النشاط التأويلي والتفسيري مجرد جذب للنص إلى أفق القارئ والمفسر . وهذا ما حدث في فلسفة التأويل المعاصرة حيث بولغ في دور القارئ والمفسر إلى حد إهدار كينونة النص والتضحية بها لحساب فعالية التأويل . من هنا كان السؤال عن كينونة النص في الدراسات النقدية المعاصرة سؤالا هاما ومشروعا . وإذا كان الباحث قد اهتم في دراسته الأولى بالتركيز على فعالية المؤول فإنه قد تنبه في دراسته الثانية لأهمية النص وأشار لدوره وفعاليته ولفعالية ما يرتبط به من تراث تفسيري وتأويلي ، وأشار لتأثير ذلك كله على فكر المفسر . ولذلك كان من الطبيعي أن تكون الخطوة الثالثة إفراد دراسة خاصة تتناول مفهوم النص وتناقش جوانبه المختلفة ، وتكون هذه الخطوة الثالثة بدورها بمثابة تمهيد لخطوات أخرى يتم بها استكمال درس الاتجاهات التأويلية الأخرى في التراث درسا علميا لا يغفل أحد طرفي العلاقة ولا يركز على أحدهما على حساب الآخر . وإذا كنا سنناقش في التمهيد مغزى هذه الدراسة بالنسبة لهموم الثقافة والوطن فإننا نكتفي في هذه المقدمة بأن نرد الحق لأصحابه فنقدم هذه الدراسة أولا للأساتذة والأصدقاء والزملاء الذين يدين الباحث لهم بكل ما هو جدير بالثناء في هذا العمل . وإذا كان لي أن أجمع هؤلاء في واحد يتفقون عليه ويدينون له بكل ما هو نبيل وأصيل فيهم فلن أجد سوى المرحوم عبد العزيز الأهواني الأستاذ والعالم والمواطن . ومع الأساتذة والأصدقاء والزملاء أقدم لطلاب قسم اللغة العربية بعض ثمار حواري وتفاعلي معهم ليتأكدوا أن التعليم الحقيقي يؤدي إلى التعلّم أيضا ، وأن الاكتفاء بالتلقين لا يضر الطالب وحده بكل يكون ضرره على المعلم أشد . ولطلاب فرع الخرطوم في نفسي أثر خاص لا يسعني تجاهله هنا ، فباستجاباتهم المتحمسة لأفكاري سواء بالقبول أو الرفض ردوا إلى نفسي ثقتها في جدوى ما كنت أبذله من جهد ، وهي ثقة كانت قد أوشكت على التبدد والضياع شتاء عام 1982 م في الجامعة الأم . وإذا كانت هذه الدراسة قد استغرق الإعداد لها أكثر من خمس سنوات ، فقد كانت ثمة طوارئ أخرى تصرفني عنها ، ثم أعود إليها ثم أنصرف عنها ، وكان التدريس دائما يعود بها إلى بؤرة الاهتمام . وكان أن تناولتها في مقال طويل لمجلة « فصول » ولكن المقال ضاع في البريد بين اليابان ومصر ولم يكن لديّ سوى المسودات وذلك نتيجة الثقة المفرطة في الخدمة البريدية . ولقد كان ضياع المقال خسارة فادحة في ذلك الوقت ، ولكن هذه الخسارة الفادحة تحولت إلى تلك الضارة النافعة ، إذ عدت إلى بطاقاتي ومسوداتي من جديد فكان هذا