نصر حامد أبو زيد

50

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

وتعود به إلى مداركها . فإن كان ذلك الاقتباس ضعيفا غير جلي بالمحاكاة والمثال في الخيال فيحتاج لتخلّصه من أجل هذه المحاكاة إلى التعبير . وقد يكون الاقتباس قويا يستغنى فيه عن المحاكاة فلا يحتاج إلى تعبير لخلوصه من المثال والخيال . والسبب في وقوع هذه اللمحة للنفس أنها ذات روحانية بالقوة مستكملة بالبدن ومداركه حتى تصير ذاتها تعقلا محضا ويكمل وجودها بالفعل فتكون حينئذ ذاتا روحانية مدركة بغير شيء من الآلات البدنية إلا أن نوعها في الروحانيات دون نوع الملائكة أهل الأفق الأعلى الذين لم يستكملوا ذواتهم بشيء من مدارك البدن ولا غيره . فهذا الاستعداد حاصل لها ما دامت في البدن . ومنه خاص كالذي للأولياء ومنه عام للبشر على العموم . « 1 » وإذا كانت النفس الانسانية تتلقى من الملأ الأعلى على قدر روحانيتها وصفائها ، فلا شك أن الأنبياء يصلون إلى الدرجة القصوى من الصفاء والروحانية ولكنهم لا يتحولون إلى ذوات من التعقل المحض تجعلهم ملائكة . هل يمكن أن نقول اذن إن المرحلة الأولى من مراحل الوحي - مرحلة الشدة والغط والتحول من جانب النبي - كانت مرحلة أشبه بالرؤيا حيث تتلقى نفس النبي - بناء على هذا التصور - من الملك رسالة ذات شفرة خاصة يحولها النبي بعد ذلك إلى رسالة لغوية ؟ وهل يمكن أن نقول أن التعود والألفة - مع توالي عملية الاتصال - جعلت الوحي ممكنا في حالة اليقظة بالكلام اللغوي العادي ؟ تتضافر الحقائق لتجيب بالايجاب عن هذا السؤال ، والحقائق التي نشير إليها هي الحقائق كما عرفتها الثقافة كما سبق أن أشرنا في التمهيد . من هذه الحقائق ما ترويه السيدة عائشة : كان أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم حبب اليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها « 2 » . ويحدثنا النص ذاته عن رؤيا الأنبياء وما تتضمنه من الوحي سواء في قصة « إبراهيم » أم في قصة « يوسف » . في الحالة الأولى كان تحقق الحلم بالموازاة الرمزية بين « الكبش » و « الابن » إذ رأى إبراهيم أنه يذبح ابنه ، وايمانا بأن الأحلام تعبير عن حقائق أو شك على تحقيق الحلم

--> ( 1 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص 102 . ( 2 ) مختصر صحيح مسلم : الجزء الأول ، ص 24 .