نصر حامد أبو زيد

51

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

حرفيا ثم حدث التأويل « فما ذبح إلا كبشا في صورة ولده فأفسد الحلم صورة الكبش في المنام » « 1 » . وكذلك في حالة « يوسف » تحقق الحلم بالتأويل الرمزي للصور المدركة ، فكانت الشمس والقمر هما الأب والأم وكان الأحد عشر كوكبا هم اخوته الذين سجدوا له جميعا ، فأدرك حينذاك دلالة الحلم . لكن أباه يعقوب كان قد أدرك دلالة الحلم قبل ذلك حين قصه عليه يوسف ، ولذلك طلب منه الا يقصه على إخوته حتى لا يكيدوا له . ومعنى ذلك كله أن « الرؤيا » تعد احدى طرائق الوحي ، وهي طريقة تكون لغتها الصور الرمزية الدالة على معان تحتاج للتعبير والتأويل . وفي شخصية « النبي » تجتمع القابلية لهذه الطريقة من طرق الوحي مع القدرة على التأويل والعبور من الصور الرامزة إلى المعاني الرموز إليها . إن التشابه والتماثل بين احدى حالات الوحي وبين « الرؤيا » أمر مؤكد في الثقافة العربية الاسلامية سواء قبل الاسلام - مرتبطا بالعرافة والكهانة - أم بعده « 2 » إن ما يحدث للأنبياء شبيه بما يحدث للنائم في حلمه مع فارق في الدرجة هو أن : حال النوم أدون منه بكثير ، فلأجل هذا الشبه عبّر الشارع عن الرؤيا بأنها جزء من سنة وأربعين جزءا من النبوة ، وفي رواية ثلاثة وأربعين ، وفي رواية سبعين . وليس العدد في جميعها مقصودا بالذات ، وانما المراد الكثرة في تفاوت هذه المراتب بدليل ذكر السبعين في بعض طرقه ، وهو للتكثير عند العرب . . . ان معنى هذا الجزء نسبة الاستعداد الأول الشامل للبشر إلى الاستعداد القريب الخاص بصنف الأنبياء الفطري لهم صلوات اللّه عليهم . إن هذا الاستعداد البعيد وان كان عاما في البشر معه عوائق وموانع كثيرة تمنع من حصوله بالفعل . ومن أعظم تلك الموانع الحواس الظاهرة ، ففطر اللّه البشر على ارتفاع حجاب الحواس بالنوم الذي هو جبلّى لهم ، فتتعرض النفس عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوّف اليه في عالم الحق ، فتدرك في بعض الأحيان منه لمحة يكون فيها الظّفر بالمطلوب . ولذلك جعلها الشارع من المبشرات ، فقال : لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قالوا : وما المبشرات يا رسول اللّه ، قال : الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له « 3 » . إن فهم ظاهرة « الرؤيا » على أساس أنها حالة اتصال بين النفس والعالم الروحاني كان من شأنه أن يدعّم الأساس النظري لظاهرة النبوة بالاستناد إلى بعض الحقائق المشتركة بين

--> ( 1 ) ابن عربي : الفتوحات المكية ، الجزء الرابع ، ص 241 . ( 2 ) انظر دور « الرؤيا » بوصفها أداة فنية في بناء السيرة النبوية : السيرة النبوية سيرة شعبية ، وهناك أيضا أشرنا إلى عملية الوحي الأولى بوصفها رؤيا كما جاء في نص السيرة ، وانظر السيرة النبوية : الجزء الأول ، ص 220 - 221 . ( 3 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص 103 .