نصر حامد أبو زيد
41
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
وإذا كان الوحي في الحالة الأولى كلاما لا يفهمه إلا طرفا الاتصال ، فهو كلام بدون قول ، أو لنقل هو كلام بشفرة غير صوتية ، بلغة غير اللغة الطبيعية . وعلى العكس من ذلك يكون الخطاب - المعبر عنه بالنداء - في حالة موسى كلاما باللغة التي يمكن أن يستوعبها موسى انه قول لغوي . ويؤكّد هذا الحوار في مشهد الرؤية : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً « 1 » . إن استخدام الفعل « قال » هنا يؤكد التمايز بين حالتي الوحي الأولى والثانية من جهة ، كما يؤكد طبيعة اللغة المستخدمة في الحالة الثانية من جهة أخرى . ومن الضروري هنا الإشارة إلى أن سياق الآيات التي ورد فيها الفعل « أوحى » أو « يوحي » دالا على الاتصال غير اللغوي يؤكد أن مضمون الوحي لم يكن يتضمن موقفا اتصاليا تبادليا بين المرسل والمستقبل كما هو الأمر في حالة « الكلام من وراء الحجاب » مع موسى ، بل كان المضمون يتضمن مجرد الأمر بفعل « وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ » « 2 » « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً » « 3 » ، وتكون استجابة المستقبل للوحي مجرد تنفيذ الأمر وتحقيق الفعل . وهذا فارق أساسي بين موقف الاتصال غير القولي وموقف الاتصال القولي في « الوحي » . الطريقة الثالثة من طرائق كلام اللّه للبشر هي الوحي غير المباشر عن طريق الرسول الملك الذي يوحي للمستقبل باذن اللّه ما يشاء . وهذه الطريقة كانت هي الطريقة التي تم بها القاء القرآن أو تنزيله . وعلى ذلك يمكن أن نضع العلاقة على النحو التالي : الله تنزيل الملك الرسول وحي ( كلام ) إن صورة الاتصال كما يطرحها النص في الآية السابقة بالنسبة للقرآن هي صورة الاتصال عبر وسيط هو الرسول الملك الذي أطلقت عليه الآية اسم « الروح » . لكن هذا
--> ( 1 ) سورة الأعراف : الآية 143 . ( 2 ) سورة القصص : الآية 7 . ( 3 ) سورة النحل : الآية 68 .