نصر حامد أبو زيد

42

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

التصور يترك مجال الفكر مفتوحا في كيفية الاتصال بين اللّه والملك أولا من حيث الشفرة المستخدمة في هذا الاتصال ، وبين الملك والرسول ثانيا من حيث كيفية التلاقي ما دمنا نعلم أن الشفرة المستخدمة بينهما كانت اللغة العربية . ولقد كانت هذه الأسئلة الحرجة محور علم من علوم القرآن هو « كيفية الانزال ومعناه » . ب - كيف كان الاتصال على المستوى الرأسي بين اللّه وجبريل وأي شفرة استخدمت في هذا الاتصال ؟ ذهب العلماء إلى أن : اللّه أفهم كلامه جبريل وهو في السماء ، وهو عال من المكان ، وعلمه قراءته ، ثم جبريل أدّاه في الأرض وهو يهبط في المكان « 1 » . إن عبارة « علّمه قراءته » تترك مجال الحدس واسعا ، لكن الاشكالية طرحت عند علماء القرآن بطريقة أخرى حين تساءلوا : ما الذي نزل به جبريل من القرآن ، أهو اللفظ والمعنى ، أي النص بمضمونه وصياغته ، أم هو المضمون والمعنى والمحتوى ثم وضع الرسول على كل ذلك رداء اللغة العربية ؟ وبعبارة أخرى هل كان الاتصال بين جبريل ومحمد « وحيا » بمعنى الالهام ، أم كان « وحيا » بالقول ؟ وقد اختلف العلماء في الإجابة عن هذا السؤال إلى فريقين : ذهب الفريق الأول إلى أن المنزّل كان : اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به . وذكر بعضهم أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف وأن تحت كل حرف معان لا يحيط بها إلا اللّه عزّ وجلّ وهذا معنى قول الغزالي : ان هذه الأحرف سترة لمعانيه « 2 » . ويهمنا في هذا الرأي التوقف أمام دلالته ونتائجه التي انتهى إليها في مجرى تطور الفكر الديني . والإشارة هنا للغزالي إشارة هامة ربما يتضح مغزاها عندما نناقش مفهوم الغزالي للنص وتحويله لطبيعته ولوظيفته في الباب الثالث والأخير من هذه الدراسة . والذي يهمنا هنا أن نلاحظه أن هذا الرأي يتصور للنص وجودا خطيا سابقا في اللوح المحفوظ . وفي هذا التصور ما فيه من اهدار لجدلية العلاقة بين النص والواقع الثقافي ، وهي العلاقة التي تؤكد عليها كثير من علوم القرآن كما سيأتي في الفصول القادمة من هذه الدراسة . في هذا الوجود الخطي السابق كان النص مدونا في اللوح المحفوظ بالحروف العربية قطعا ، كل حرف منها بحجم « جبل قاف » وهو الجبل الأسطوري الذي يحيط بالأرض من

--> ( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 229 . ( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 229 . يعتمد هذا التصور الذي نناقشه هنا على ما جاء في النص « بل هو قرآن مجيد . في لوح محفوظ » سورة البروج : الآيات 21 - 22 .