نصر حامد أبو زيد

38

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

الاحساس أو التخيّل مستعينا به في ذلك الانسلاخ الذي يقصده ويكون كالمشيّع له . وهذه القوة التي فيهم مبدأ لذلك الادراك هي الكهانة . ولكون هذه النفوس مفطورة على النقص والقصور عن الكمال كان ادراكها في الجزئيات أكثر من الكليات ، ولذلك تكون المخيلة فيهم في غاية القوة لأنها آلة الجزئيات فتنفذ فيها نفوذا تاما في نوم أو يقظة وتكون عندها حاضرة عتيدة تحضرها المخيلة وتكون كالمرآة تنظر فيها دائما ولا يقوى الكاهن على الكمال في ادراك المعقولات لأن وحيه من وحي الشيطان . وأرفع أحوال هذا الصنف أن يستعين بالكلام الذي فيه السجع والموازنة ليشتغل به عن الحواس ، ويقوى بعض الشيء على ذلك الاتصال الناقص فيهجس في قلبه عن تلك الحركة والذي يشيعها من ذلك الأجنبي ما يقذفه على لسانه فربما صدق ووافق الحق وربما كذب لأنه يتمم نقصه بأمر أجنبي عن ذاته المدركة ومباين لها غير ملائم فيعرض له الصدق والكذب جميعا . « 1 » وإذا كان ما يتلقاه الكاهن من الشياطين وحيا فالمقصود أن الكهانة عملية اتصال تتضمن رسالة ، لكن عملية الاتصال هنا تتم عبر شفرة خاصة لأن طرفي الاتصال - المرسل والمستقبل - لا ينتميان إلى المرتبة الوجودية نفسها . لكن الشفرة الخاصة التي يشير إليها ابن خلدون « سجع الكهان » تظل طريقة خاصة في الصياغة والأداء اللغوي ، طريقة خاصة - أو لنقل شفرة ثانوية - داخل النظام اللغوي العام . والقرآن يستخدم اللفظ « يوحى » للدلالة على الاتصال بين الشياطين والكفار « وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم » « 2 » وكذلك يستخدمها للاتصال بين الكفار أنفسهم « يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً » « 3 » . وإذا كان الوحي في هاتين الآيتين بمعنى « الوسوسة » كما تقول المعاجم ، وكما يصف القرآن أحاديث الشيطان للبشر في سورة « الناس » فان « الوسوسة » - كما ينبئ ايقاعها الصوتي - تعني اتصالا محوطا بالسرية والغموض ، اتصالا لا يتاح لطرف ثالث أن يدركه . وهذا معنى « الوحي » اللغوي كما حللناه في الفقرة السابقة . إن العلاقة بين النبوة والكهانة - في التصور العربي - أن كليهما « وحي » ، اتصال بين إنسان وبين كائن آخر ينتمي إلى مرتبة وجودية أخرى ، ملك في حالة النبي ، وشيطان في حالة الكاهن . وفي هذا الاتصال / الوحي ثمة رسالة عبر شفرة خاصة لا يتاح لطرف ثالث أن يفهمها على الأقل لحظة الاتصال ، وذلك لأن النبي « يبلغ » للناس بعد ذلك الرسالة ، والكاهن « ينبئ » عن محتوى ما تلقاه . وفي هذا كله تصبح ظاهرة « الوحي » ظاهرة غير طارئة

--> ( 1 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص 100 ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 121 . ( 3 ) سورة الأنعام : من الآية 112 .