نصر حامد أبو زيد
39
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
على الثقافة ولا مفروضة عليها من خارج كما سبقت الإشارة ويكاد ابن خلدون يصر على أن النبوة لم تلغ الكهانة ولم تقض عليها كما يتوهم بعض الناس : وقد زعم بعض الناس أن هذه الكهانة قد انقطعت منذ زمن النبوة بما وقع من شأن رجم الشياطين بالشهب بين يدي البعثة وأن ذلك كان لمنعهم من خبر السماء كما وقع في القرآن ، والكهّان انما يتعرفون أخبار السماء من الشياطين فبطلت الكهانة من يومئذ . ولا يقوم من ذلك دليل لأن علوم الكهان كما تكون من الشياطين تكون من أنفسهم أيضا كما قررناه وأيضا فالآية انما دلت على منع الشياطين من نوع واحد من أخبار السماء وهو ما يتعلق بخبر البعثة ولم يمنعوا مما سوى ذلك . وأيضا فإنما كان ذلك الانقطاع بين يدي النبوة فقط ، ولعلها عادت بعد ذلك إلى ما كانت عليه ، وهذا هو الظاهر لأن هذه المدارك كلها تخمد زمن النبوة كما تخمد الكواكب والسّرج عند وجود الشمس لأن النبوة هي النور الأعظم الذي يخفي معه كل نور ويذهب . « 1 » إن إصرار ابن خلدون على الاحتفاظ للكهانة والعرافة بمكانهما بعد النبوة يرتد إلى أمرين : الأمر الأول أن إلغاء الكهانة يستلزم إلغاء أساسها الوجودي ، ومن ثم تصبح ظاهرة النبوة ذاتها في حاجة إلى تفسير جديد . والأمر الثاني أن الكهانة والعرافة كانتا معيارا لدى عرب ما قبل الإسلام لإثبات حقيقة النبوة من جهة ، وكانتا وسيلة للتنبؤ بالنبي الجديد المرتقب من جهة أخرى . فقد كان العرب يفزعون إلى الكهان في تعرف الحوادث ويتنافرون إليهم في الخصومات ليعرفوهم بالحق فيها من ادراك غيبهم . . . واشتهر منهم في الجاهلية شق بن أنمار بن نزار وسطيح بن مازن بن غسان وكان يدرج كما يدرج الثوب ولا عظم فيه إلا الجمجمة . ومن مشهور الحكايات عنهما تأويل رؤيا ربيعة بن مضر وما أخبراه به من ملك الحبشة لليمن وملك مضر من بعدهم وظهور النبوة المحمدية في قريش ، ورؤيا الموبذان التي أولها سطيح لما بعث اليه بها كسرى عبد المسيح فأخبره بشأن النبوة وخراب ملك فارس « 2 » . وإذا كان الغاء الكهانة يؤدي إلى الغاء الأساس الوجودي وكذلك الأساس المعرفي لظاهرة النبوة ، فان ذلك يؤكد أن ظاهرة « الوحي » استندت إلى مفهوم عميق في الثقافة ، مفهوم عن امكانية اتصال بين البشر وبين العوالم الأخرى من الملائكة والشياطين . وإذا كان « الشعر » أيضا - كما سبقت الإشارة - قد تم تصوره من حيث مصدره داخل اطار هذا التصور
--> ( 1 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص 101 . ( 2 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص 108 . وانظر مناقشتنا لهذه القضية في دراستنا : السيرة النبوية سيرة شعبية .