نصر حامد أبو زيد

37

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

في مثل هذا التصور الذي ساد الثقافة العربية - والذي نجد جذوره في تصورات ما قبل الاسلام - لا يتكون الكون من عوالم منفصلة ، بل يكون الاتصال والحركة صعودا وهبوطا بين العوالم هو مجال الفعالية التي تمكن الانسان - آخر العوالم وأكملها في نفس الوقت - من الاتصال ببعض هذه العوالم ، يستوي في ذلك النبي والكاهن . والفارق بين اتصال النبي بالملإ الأعلى واتصال الكاهن ، أن اتصال النبي قائم على نوع من الفطرة والخلقة أساسها الاختيار « الاصطفاء » الإلهي ، بينما يحتاج الكاهن إلى آلات وأدوات مساعدة تعينه على التخلص - جزئيا - من عوائق العالم المادي والاتصال بما وراءه من العوالم . إن الأنبياء : صنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة - جسمانيتها وروحانيتها - إلى الملائكة من الأفق الأعلى ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل ، ويحصل له شهود الملأ الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني والخطاب الإلهي في تلك اللمحة . وهؤلاء الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم جعل اللّه لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة وهي حالة الوحي فطرة فطرهم اللّه عليها وجبلة صورهم فيها ، ونزههم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها بالبشرية بما ركّب في غرائزهم من القصد والاستقامة . « 1 » والكهان على عكس ذلك يعتمدون على محاولاتهم البشرية ، ويستعينون بما يساعدهم على مجاوزة عوائق الجسد . وبسبب وجود الوسيط المساعد من السجع أو عظام الحيوانات يكون اتصالهم ناقصا ويكون ما يحصلون عليه من « معلومات » قابلا للصدق والكذب ، أو بالأحرى يختلط فيه الصدق والكذب . إن اتصال الأنبياء : يحصل لهم من غير اكتساب ولا استعانة بشيء من المدارك ولا من التصورات ولا من الأفعال البدنية كلاما أو حركة ولا بأمر من الأمور انما هو انسلاخ من البشرية إلى الملكية بالفطرة في لحظة أقرب من لمح البصر . وإذا كان كذلك وكان ذلك الاستعداد موجودا في الطبيعة البشرية فيعطي التقسيم العقلي أن هنا صنفا آخر من البشر ناقصا عن رتبة الصنف الأول نقصان الضد عن ضده الكامل لأن عدم الاستعانة في ذلك الادراك ضد الاستعانة فيه ، وشتان ما بينهما . فإذا أعطى تقسيم الوجود أن هنا صنفا آخر من البشر مفطورا على أن تتحرك قوته العقلية حركتها الفكرية بالإرادة عندما يبعثها النزوع لذلك وهي ناقصة عنه بالجبلة عندما يعوقها العجز عن ذلك تشبثت بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة كالأجسام الشفافة وعظام الحيوانات وسجع الكلام وما سنح من طير أو حيوان فيستديم ذلك

--> ( 1 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص 98 .