نصر حامد أبو زيد

36

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

ويدين البشر الذين كانوا يعوذون به « رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا » . وفي سورة « الناس » نلاحظ تحول أحاديث الجن إلى « وسوسة » يستعاذ باللّه منها ، ويوصف هذا الجن بأنه « وسواس خناس » . فإذا عرفنا أن سورة « الناس » سابقة في ترتيب النزول على سورة « الجن » أمكننا أن نميز بين هاتين الصورتين : صورة الجن الخناس الموسوس الذي يستعاذ باللّه منه ، وصورة الجن الذي يشبه البشر في انقسامه إلى مؤمنين وكافرين . ولا شك أن الصورة الثانية تعد نوعا من التطوير القرآني النابع من التوافق مع معطيات الثقافة من جهة والهادف إلى تطويرها لمصلحة الاسلام من جهة أخرى . لقد ظل هذا التصور - تصور اتصال البشر بعالم الجن أو العوالم الأخرى بصفة عامة - جزءا من المفاهيم المستقرة في الثقافة العربية الاسلامية ، وعلى أساسه أمكن تفسير ظاهرة النبوة ذاتها من خلال نظرية الخيال عند الفلاسفة والمتصوفة . لكن هذا التصور قد أعيدت صياغته في بناء أكبر يستوعب الوجود كله ، وهو تصور صيغ على الوجه التالي : اعلم أرشدنا اللّه وإياك أنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والاحكام وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي غاياته . وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجسماني ، وأوله عالم العناصر المشاهدة كيف تدرج صاعدا من الأرض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متصلا بعضها ببعض وكل واحد منها مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا وهابطا ، ويستحيل بعض الأوقات والصاعد منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك وهو ألطف من الكل على طبقات اتصل بعضها ببعض على هيئة لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط ، وبها يهتدي بعضهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها وما بعد ذلك من وجود الذوات التي لها هذه الآثار فيها . ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج ، آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له . وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ، ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط . ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد القريب لأن يصير أول أفق الذي بعده واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج التكوين إلى الانسان صاحب الفكر والروية ترتفع اليه من عالم القدرة الذي اجتمع فيه الحس والادراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل . وكان ذلك أول أفق من الانسان بعده . وهذا غاية شهودنا . « 1 »

--> ( 1 ) ابن خلدون : المقدمة ، ص 95 - 96 .