نصر حامد أبو زيد

33

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

إشارة وايماء بالعينين والحاجبين والشفتين والفم . والرمز في اللغة كل ما أشرت اليه مما يبان بلفظ بأي شيء أشرت اليه بيد أو بعين » . وهذا الاتصال الرمزي - الوحي - كان هو الاتصال الذي حدث بين مريم وقومها حين وضعت عيسى وخشيت مواجهة الناس فنذرت أن تصوم عن الكلام كما نصحت . فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا . يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا . فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا « 1 » . والإشارة اليه - إلى عيسى الطفل - تتضمن رسالة فحواها « لا تسألوني واسألوه هو » وهي رسالة أدركها قومها فكان ردهم : كيف نخاطب طفلا . إن الرسالة المتضمنة في « إشارة » مريم لقومها تجعل هذه « الإشارة » وحيا مثل إشارة زكريا لقومه طالبا منهم التسبيح . في الأمثلة الثلاثة السابقة لاحظنا أن عملية الاتصال / الوحي كانت تتضمن مرسلا ومستقبلا ينتميان إلى مرتبة وجودية واحدة ، ذكر النعام وأنثاه ، زكريا وقومه ، مريم وقومها . ولاحظنا أيضا أن الشفرة التي استخدمت في عملية الاتصال كانت شفرة مفهومة - إشارات وأصوات في حالة النعام وإشارات فقط في حالة البشر - لكلا الطرفين . والحديث عن الوحي في القرآن ينقلنا إلى مجال أكثر تعقيدا حيث تكون عملية الاتصال / الوحي بين طرفين لا ينتميان إلى نفس المرتبة الوجودية . ومع ذلك فقد كان هذا المفهوم أيضا - مفهوم الاتصال بين مراتب وجودية مختلفة - مفهوما مألوفا في الثقافة العربية قبل الاسلام . 2 - اتصال البشر بالجن لقد أدرك العرب قبل الإسلام ظاهرتي الشعر والكهانة بوصفهما ظاهرتين لهما أصولهما في عالم آخر وراء هذا العالم الحسي المرئي ، هو عالم الجن الذي تصوروه على مثال عالمهم ومجتمعهم ، فتصوروا الجن قبائل تعيش في واد خاص في البادية أطلقوا عليه اسم وادي « عبقر » حتى أصبح « يقال في المثل لكأنهم جن عبقر » كما يحكي صاحب اللسان . ولأن عالم الجن وعالم البشر عالمان متجاوران فقد تصور العرب امكانية الاتصال بين البشر والجن . لكن البشر القادرين على الاتصال بالجن لا بد أن يتمتعوا بصفات خاصة تؤهلهم للتواصل مع هذه المرتبة الوجودية المختلفة . ولأن الجن ليسوا على صفات البشر أو صورهم ، فقد كانوا كائنات قادرة على اختراق الحدود الفاصلة بين السماء والأرض ، وقادرة من ثم على الإنباء بالغيب ومعرفة المختفي المستور ، هذه المعرفة الخاصة - التي يستطيع الجن تحصيلها باستراقه

--> ( 1 ) سورة مريم : الآيات 27 - 29 .