نصر حامد أبو زيد
34
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
السمع إلى السماء يمكن لبعض البشر من الخواص اكتسابها عن طريق الاتصال بالجن . لقد كان ارتباط ظاهرتي « الشعر والكهانة » بالجن في العقل العربي ، وما ارتبط بهما من اعتقاد العربي بامكانية الاتصال بين البشر والجن هو الأساس الثقافي لظاهرة الوحي الديني ذاتها . ولو تصورنا خلو الثقافة العربية قبل الاسلام من هذه التصورات لكان استيعاب ظاهرة الوحي أمرا مستحيلا من الوجهة الثقافية ، فكيف كان يمكن للعربي أن يتقبل فكرة نزول ملك من السماء على بشر مثله ما لم يكن لهذا التصور جذور في تكوينه العقلي والفكري . وهذا كله يؤكد أن ظاهرة الوحي - القرآن - لم تكن ظاهرة مفارقة للواقع أو تمثل وثبا عليه وتجاوزا لقوانينه ، بل كانت جزءا من مفاهيم الثقافة ونابعة من مواضعاتها وتصوراتها . إن العربي الذي يدرك أن الجنّي يخاطب الشاعر ويلهمه شعره ، ويدرك أن العراف والكاهن يستمدان نبوءاتهما من الجن لا يستحيل عليه أن يصدق بملك ينزل بكلام على بشر . لذلك لا نجد من العرب المعاصرين لنزول القرآن اعتراضا على ظاهرة الوحي ذاتها ، وانما انصب الاعتراض إما على مضمون كلام الوحي أو على شخص الموحى اليه . ولذلك أيضا يمكن أن نفهم حرص أهل مكة على رد النص الجديد - القرآن - إلى آفاق النصوص المألوفة في الثقافة سواء كانت شعرا أم كهانة . يقول الأعشى متحدثا عن قرينه « مسحل » وعن اعتماده عليه في قول الشعر ، وعن توافقهما : وما كنت شاحردا ولكن حسبتني * إذا « مسحل » سدّى لي القول أنطق شريكان فيما بيننا من هوادة * صفيان جنّي وإنس موفّق يقول فلا أعيا لشيء أقوله * كفاني لا عيّ ولا هو أخرق ويفرق بدر بن عامر بين أشعار الانس وأشعار الجن ويفخر بقدرته على النطق بكليهما : ولقد نطقت قوافيا انسية * ولقد نطقت قوافي التجنين ولم يكن القرآن في صياغته للواقع الثقافي بمعزل عن هذه التصورات فقد ذكر الجن في مواضع كثيرة وخصص سورة كاملة تنبئ عن تحول في طبيعة الجن وإيمانهم بالاسلام والقرآن بعد أن استمعوا له . والسورة من ناحية أخرى تؤكد ما كان مستقرا في العقل العربي من اتصال الجن بالسماء ومن امكانية اتصال بعض البشر بالجن . وأنه كان يقول سفيهنا على اللّه شططا . وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على اللّه كذبا . وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا . وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث اللّه أحدا . وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا . وأنا