نصر حامد أبو زيد
32
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
اعلاما - رسالة - خفيا سريّا . وإذا كان « الاعلام » لا يتحقق في أي عملية اتصال إلّا من خلال شفرة خاصة ، فمن الضروري أن يكون مفهوم الشفرة متضمنا في مفهوم الوحي ، ولا بد أن تكون هذه الشفرة المستخدمة في عملية الاتصال والاعلام شفرة مشتركة بين المرسل والمستقبل أي بين طرفي عملية الاتصال / الوحي . إن هذا المفهوم للوحي يمكن أن نجده في الشعر كما نجده في القرآن نفسه . وها هو علقمة الفحل يصف ذكر النعام عائدا إلى أنثاه مسرعا . . وقد انتابه قلق عليها وعلى الصغار نتيجة عاصفة شديدة وأمطار . وحين عاد وجدهم سالمين مطمئنين فأخذ يوحي إليها بأنقاض ونقنقة * كما تراطن في أفدانها الروم فاستخدام الشاعر للفعل « يوحي » يشير إلى علاقة اتصال بين ذكر النعام وأنثاه ( مرسل ومستقبل ) من خلال شفرة خاصة ( الانقاض والنقنقة ) سرية لا يفهمها الشاعر ذاته ، ولذلك قارن بينها وبين « رطانة » الروم في قصورهم . ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن الطرف الثالث أو المراقب الخارجي لعملية الاتصال / الوحي لا يفهم شفرة الاتصال ومن ثم لا يفهم مضمون الرسالة أو الاعلام المتضمن فيها ، لكنه يدرك بشكل عام أن ثمة اتصالا وثمة رسالة واعلاما . في هذا الإطار نفهم تشبيه علقمة لاتصال ذكر النعام بأنثاه ( الوحي ) بتراطن الروم ، حيث يدرك العربي أنهم يتخاطبون بلغة خاصة لكنه لا يفهم مضمون مخاطباتهم . ونجد مثل هذا الاستخدام في القرآن في قصة زكريا ومريم بصفة خاصة . لقد سأل زكريا اللّه أن يهبه ولدا فبشره اللّه باستجابة الدعاء ، فطلب من اللّه علامة . قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا . فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا . « 1 » لقد كان على زكريا أن يتصل بقومه ، أن يعلمهم بطلب التسبيح ، دون أن يستخدم النظام اللغوي الطبيعي العادي ، فكان الإيحاء بنظام آخر من الرموز كما ورد في القرآن أيضا في القصة نفسها . قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ . « 2 » والرمز من الكلام هو الخفي الذي لا يدركه إلا المخاطب به ، جاء في اللسان : « الرمز
--> ( 1 ) سورة مريم : الآيتان 10 - 11 . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 41 .