نصر حامد أبو زيد

31

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

الفصل الأول مفهوم الوحي يعد مفهوم « الوحي » هو المفهوم المركزي للنص عن ذاته حيث يشير إلى نفسه بهذا الاسم في كثير من المواضع . وإذا كان ثمة أسماء أخرى للنص وردت بها الإشارة مثل القرآن والذّكر والكتاب ، فان اسم « الوحي » يمكن أن يستوعبها جميعا بوصفه مفهوما دالا في الثقافة سواء قبل تشكّل النص أم بعد تشكّله . وإذا كان كل من السيوطي والزركشي قد بالغا في تعداد أسماء القرآن حتى وصلا بها إلى ما يزيد على الخمسين اسما وخلطا بين الأسماء والأوصاف فان تحليلنا لمفهوم الوحي قد يتوقف عند بعض الأسماء الأكثر شهرة كالكتاب والقرآن والرسالة والبلاغ فقط للكشف عن مفهوم النص لنفسه « 1 » . وإذا كان اسم « الكتاب » واسم « القرآن » من الأسماء التي تعد بمثابة الأسماء الأعلام ، فان اسم « الوحي » في دلالته على القرآن ليس كذلك ، بل تتسع دلالته لتشمل كل النصوص الدينية الاسلامية وغير الاسلامية ، فهو مفهوم يستوعب كل النصوص الدالة على خطاب اللّه للبشر . هذا من حيث الاستخدام القرآني . والاسم من جهة أخرى دال في اطار اللغة العربية قبل القرآن على كل عملية اتصال تتضمن نوعا من « الاعلام » . ورد في اللسان « وأصل الوحي في اللغة كلها اعلام في خفاء » . وإذا كان صاحب اللسان يعدّد في معاني الوحي « الالهام » و « الإشارة » و « الايماء » و « الكتابة » و « الكلام » ، فان هذه المعاني كلها يستوعبها معنى « الاعلام » ويشير كل منها على حدة إلى طريقة من طرق الاعلام ، فالاعلام قد يكون بالكلام وقد يكون بالكتابة وقد يكون بالإشارة والايماء وقد يكون الهاما . 1 - الوحي عملية اتصال وإذا كانت الدلالة المركزية للوحي هي « الاعلام » فان من شرط هذا الاعلام أن يكون خفيا سريا . ونستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن الوحي علاقة اتصال بين طرفين تتضمن

--> ( 1 ) انظر السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 50 ، وكذلك الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 273 - 276 .