نصر حامد أبو زيد

27

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

أنهما « رسالة » . ومعنى ذلك أن تطبيق نهج تحليل النصوص اللغوية الأدبية على النصوص الدينية لا يفرض على هذه النصوص نهجا لا يتلاءم مع طبيعتها . إن المنهج هنا نابع من طبيعة المادة ومتلائم مع الموضوع . والاعتراض الذي يمكن أن يثار هنا : كيف يمكن تطبيق منهج تحليل النصوص على نص الهي ؟ ! وقد يتضمن الاعتراض بعض الاتهام ( والعياذ باللّه من سوء النية ) حول تطبيق مفاهيم البشر ومناهجهم على نص غير بشري من حيث أصله ومصدره . والحقيقة أن هذا الاعتراض ان صدر فإنما يصدر عن ذلك النمط من الفكر التأملي المثالي الذي أشرنا اليه بوصف علمي باسم « الديالكتيك الهابط » . وإذا كان أصحاب هذا المنهج يتفقون معنا كذلك في أن اللّه سبحانه وتعالى ليس موضوعا للتحليل أو الدرس ، وإذا كانوا يتفقون معنا كذلك في أنه سبحانه شاء أن يكون كلامه إلى البشر بلغتهم ، أي من خلال نظامهم الثقافي المركزي ، فان المتاح الوحيد أمام الدرس العلمي هو درس « الكلام » الإلهي من خلال تحليل معطياته في اطار النظام الثقافي الذي تجلى من خلاله . ولذلك يكون منهج التحليل اللغوي هو المنهج الوحيد الانساني الممكن لفهم الرسالة ، ولفهم الاسلام من ثم . وحتى لا نقع فيما وقع فيه القدماء فان مصداقية النص في منهج تحليل النصوص لا تنبع من دليل خارجي ، بل تنبع من تقبل الثقافة للنص واحتفائها به . لقد اختلف القدماء حول هذه الاشكالية ، وانصب خلافهم فيها حول نقطة جزئية هي : هل يحتاج النص إلى دليل خارجي لاثبات مصداقيته ، أم أنه يتضمن في داخله هذا الدليل ؟ وإذا كانوا جميعا قد اتفقوا على ضرورة وجود معيار خارجي فإنهم اختلفوا في طبيعة هذا المعيار ، هل هو « العقل » أم « المعجزة » الباهرة التي تقع على يد الرسول ؟ وقد انتهى الفكر الديني القديم إلى أن المعجزة الكبرى هي « النص » ذاته ، وكان لذلك نتائج ليس هنا مجال مناقشتها إذ سنتعرض لها في فصول الدراسة . وفي منهج تحليل النصوص تنبع مصداقية النص من دوره في الثقافة ، فما ترفضه الثقافة وتنفيه لا يقع في دائرة « النصوص » ، وما تتلقاه الثقافة بوصفه نصا دالا فهو كذلك . وقد يختلف اتجاه الثقافة في اختيار النصوص من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى ، فتنفي ما سبق لها أن تقبلته ، أو تتقبل ما سبق لها أن نفته من النصوص . وإذا طبقنا هذا المعيار على القرآن بصفة خاصة فنحن إزاء نص لم يكد يكتمل حتى أصبح جزءا أصيلا فاعلا في الثقافة التي ينتمي إليها . ولم تكد تمر عليه سنوات قليلة حتى صار هو النص المهيمن والمسيطر في الثقافة . ثم تجاوز اطار ثقافته ليكون مؤثرا في ثقافات أخرى . لقد صار القرآن هو « النص » بألف ولام العهد . وإذا كنا نعتد المعيار الثقافي في تحديد مصداقية النص ، فمن قبيل تحصيل