نصر حامد أبو زيد

28

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

الحاصل القول بأن مصداقية هذا النص - القرآن - لا تنبع من كثرة عدد المؤمنين به ، كما أن قلة عددهم لا تقلل من مصداقيته . إن وجود النص في الثقافة أخطر من وجوده في عواطف المعتقدين والمؤمنين . لذلك كله لا تعارض بين تطبيق المنهج اللغوي - منهج تحليل النصوص - على القرآن وبين الايمان بمصدره الإلهي . إن البحث عن مفهوم للنص ليس إلا محاولة لاكتشاف طبيعة النص الذي يمثل مركز الدائرة في ثقافتنا . إن محاولة البحث عن مفهوم للنص سعي لاكتشاف العلاقات المركبة لعلاقة النص بالثقافة من حيث تشكله بها أولا ، وعلاقته بها من حيث تشكيله لها ثانيا . وسيكون هذان المحوران موضوع الباب الأول من هذه الدراسة . وهذا الباب ينقسم إلى خمسة فصول هي على التوالي : مفهوم الوحي ، المتلقي الأول للنص ، المكي والمدني ، أسباب النزول ، ثم الناسخ والمنسوخ . وفي كل هذه الفصول سيكون التحليل قائما على أساس المحورين السابقين في علاقة النص بالثقافة تشكلا وتشكيلا . وسيكون الباب الثاني من هذه الدراسة عن « آليات النص » من حيث علاقته بالنصوص الأخرى في الثقافة من جهة ، ومن حيث آلياته في انتاج الدلالة من جهة أخرى ، ويندرج تحت هذا الباب أيضا خمسة فصول هي على التوالي : الاعجاز ، المناسبة بين الآيات والسور ، الغموض والوضوح ، العام والخاص ، التفسير والتأويل . ويأتي الباب الثالث والأخير للكشف عن التحول الذي أصاب مفهوم النص ووظيفته والذي صارت له السيادة في الثقافة العربية الاسلامية حتى عصورها الحديثة . وقد كان من الطبيعي أن نتوقف في هذا الباب عند فكر « أبو حامد الغزالي » بوصفه المفكر الذي التقت عنده تيارات الفكر الديني واتجاهاته على المستويين الرسمي والشعبي . إن الدور الخطير الذي قام به الغزالي في صياغة المفاهيم والتصورات التي كتب لها الشيوع والاستقرار في مجال الفكر الديني فرض علينا هذه الوقفة الخاصة ، وهي وقفة تستهدف الكشف عن أسباب بداية عزل النص عن الواقع وعن حركة الثقافة من جهة ، والكشف عن جذور كثير من الأفكار والمفاهيم الشائعة في الخطاب الديني المعاصر من جهة أخرى . إن قراءة الغزالي بالإضافة إلى أهميتها في الكشف عن التحول الذي طرأ على مفهوم النص في الفكر تكشف لنا عن صوت الماضي الذي يعاد تصديره لنا في الحاضر ، وتكشف أكثر عن آليات الفكر الديني المعاصر في اضفاء صفة القداسة والاطلاق على ذاته بارتداء ثياب التراث في أشد اتجاهاته تخلفا ورجعية . وفي هذا الكشف نأمل أن نساهم في تعرية الوجه الحقيقي لكثير من مفاهيم الخطاب الديني المعاصر باستخدام أساليب الدرس العلمي .