نصر حامد أبو زيد
26
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
لها في متن الدراسة . وإذا كانت هذه النصوص قد تشكلت في الواقع والثقافة فان لكليهما دورا في تشكيل هذه النصوص . ولعل الحديث عن دور الواقع والثقافة في تشكيل هذه النصوص يمثل نقطة الانفصال ، وربما التدابر ، بين منهج هذه الدراسة وبين المناهج الأخرى التي يتبناها الخطاب الديني المعاصر عند مناقشة مثل هذه القضايا حيث تعطى الأولية عند مناقشة النصوص الدينية للحديث عن « اللّه » عزّ وجلّ ( قائل النص ) ثم يلي ذلك الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( المستقبل الأول ) للنص ، ثم يلي ذلك الحديث عن الواقع تحت عناوين « أسباب النزول » و « المكي والمدني » و « الناسخ والمنسوخ » . إن مثل هذا المنهج - ان اكتملت له أدوات البحث المنهجي من الدقة والاستقصاء - بمثابة ديالكتيك هابط في حين أن منهج هذه الدراسة بمثابة ديالكتيك صاعد . وعلى حين يبدأ المنهج الأول من المطلق والمثالي في حركة هابطة إلى الحسي والمتعين ، فان المنهج الثاني يبدأ من الحسي والعيني صعودا ، يبدأ من الحقائق والبديهيات ليصل إلى المجهول ويكشف عما هو خفي . إن معضلة المنهج الأول أنه يعتمد على التأمل ، ومن ثم يكون عرضة للانغماس في الأقاويل الخطابية ، وبذلك يتحول الخطاب العلمي من خلال هذا المنهج عن مهمته الحقيقية ليؤدي مهمة أخرى هي مهمة الوعظ والارشاد . ولعل هذا يفسر لنا اختلاط مفهوم « العالم » بمفهوم « الواعظ » و « الخطيب » في ثقافتنا الدينية . ونأمل أن يؤدي المنهج الذي تتبناه هذه الدراسة إلى تجاوز هذه المعضلة . المعضلة الثانية التي يقع فيها المنهج الأول - ونأمل أن يتجاوزها منهج هذه الدراسة - خطر الوقوع في شبكة « الإجابات الجاهزة » والانسياق في دوامة « التشويش الإيديولوجي » حيث يبدو الباحث - في اطار هذا المنهج - وكأنه يكتشف جديدا ، وهو في الواقع يمارس دور الحواة والمشعوذين فيخرج من ثيابه ما سبق أن خبّأه وذلك ليدهش الناس وينال اعجابهم . وما يكون الباحث قد خبأه في هذه الحالة ليس سوى ما قاله القدماء في القضية نفسها وعن الموضوع نفسه . وإذا كان البدء بالواقع معناه البدء بالحقائق التي نعرفها من التاريخ فان دراستنا لمفهوم النص سعيا لتحديد ماهية الاسلام لا ينبغي أن تغفل الواقع ، بل عليها أن تبدأ به بوصفه الحقيقة العينية الملموسة التي يمكن الحديث عنها . وعلينا أن نضع في الاعتبار أن الواقع مفهوم واسع يشمل الأبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، ويشمل المتلقي الأول للنص ومبلغه ، كما يشمل المخاطبين بالنص . إن النص أداة اتصال يقوم بوظيفة اعلامية ، ولا يمكن فهم طبيعة الرسالة التي يتضمنها النص إلا بتحليل معطياته اللغوية في ضوء الواقع الذي تشكل النص من خلاله . والقول إن كل نص رسالة يؤكد أن « القرآن » و « الحديث النبوي » نصوصا يمكن أن نطبق عليها مناهج تحليل النصوص ، وذلك ما دام ثمة اتفاق على