نصر حامد أبو زيد
23
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
دين عربي ، بل هو أهم مكونات العروبة وأساسها الحضاري والثقافي . إن البحث عن مفهوم للنص لا يزعم الإجابة على كل هذه الهموم والتصدي لها تصديا شاملا ، ولكنه بداية للبحث العلمي في مجال شائك يبدو أنه لم يعد فيه مجال لقول جديد . سيقول المغرضون من الناس وأصحاب الكراسي المزورة - على حد تعبير الكندي فيلسوف الإسلام الأول - ليس لهذه التساؤلات من معنى إلا التشكيك في العقيدة ، وسيقولون إن هذه ليست أسئلة جديدة ، بل هي قديمة أجاب عنها العلماء كلّ في مجال تخصصه ، فالإجابة عنها الآن من قبيل تحصيل الحاصل ، ولكن على الباحث أن يعرض عن كل ذلك ويمضي في طريقه طارحا السؤال تلو السؤال باحثا عن إجابة لكل سؤال ، متباعدا قدر الامكان عن الإجابات الجاهزة التي لا تضيف إلى وعينا بموضوع الدرس جديدا . والباحث هنا لا يزعم امتلاكه للحقيقة بألف ولام العهد ، وانما يزعم أنه بسبيله للبحث عنها ومقاربتها بالقدر الممكن علميا وانسانيا . وغني عن القول إن الباحث على وعي بخطر « التشويش الإيديولوجي » النابع من موقفه من الواقع الذي يعيش فيه ويتفاعل معه بوصفه مواطنا ، ويدرك أن عليه أن يقلل من تأثير هذا الخطر على قدر ما يستطيع . ويكفي الوعي الدائم به مانعا من الانزلاق إلى مهاوي التحليلات الإيديولوجية ، إذ لا يقع فيه حتى الأذقان إلا من ينكرونه ويزعمون لأنفسهم تجردا وموضوعية ونزاهة لا تليق إلا بالحق المطلق المجرد ، وأنّى لنا ذلك .
--> - حديث نسبيا . إن دعوى العالمية والشمولية في أي ظاهرة من الظواهر يجب أن لا تنكر الأصول التاريخية للظاهرة بما تتركه من ملامح وسمات تظل ملازمة للظاهرة ولا تنفصل عنها ، وهذا قانون علمي ينطبق على كل الظواهر ومنها الظاهرة الدينية . الافتراض الثاني أن الدعوة القومية الحديثة دعوة عنصرية علمانية ، وقد يستدل أصحاب نظرية الفصل على ذلك ببعض الاستدلالات الساذجة من قبيل أن اقتراح انشاء جامعة للدول العربية كان اقتراحا بريطانيا استعماريا ، أو أن حملة لواء الفكر القومي كانوا من غير المسلمين . وهذه مجرد تعبيرات مؤقتة لها أسباب أعمق في حركة المجتمع والفكر ، ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بمثيلتها في تاريخ أوروبا ، فلم يصاحب الفكر القومي العربي - فيما نعلم - أي إنكار لدور الدين . الفرضية الثالثة والأكثر خطورة في فكر هؤلاء أن تصنيف البشر انما يتم على أساس « العقيدة » لا على أساس « الثقافة » ، وإذا كانت « العقيدة » نظاما جزئيا داخل النظام الكلي للثقافة ، فإن تصنيف البشر داخل الثقافة الواحدة على أساس « العقيدة » من شأنه أن يمزق وحدة الوطن ، ويخلق معارك وهمية بين المواطنين ، ويؤدي إلى صراعات زائفة من شأنها أن تعوق الجماهير عن ادراك حلبة الصراع الحقيقي ضد من يهدرون آدميتهم - مسلمين ومسيحيين - ويستغلون عرقهم ويزيفون وعيهم . أليس في ذلك كله ما يؤكد أن « الاسلام » الذي نتحدث عنه جميعا ليس مفهوما واحدا ؟