نصر حامد أبو زيد

24

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

3 - في المنهج تنطلق هذه الدراسة من مجموعة الحقائق التي صاغتها الثقافة العربية حول النص القرآني من جهة ، كما أنها تنطلق من المفاهيم التي يطرحها النص ذاته عن نفسه من جهة أخرى . والحقيقة أن الفصل بين ما يطرحه النص عن نفسه وبين ما صاغته الثقافة عنه فصل تعسفي ، لكنه فصل لا غناء عنه للتوضيح والبيان . إن النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي . والمقصود بذلك أنه تشكل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما . وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهية ومتفقا عليها ، فان الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية ويعكر من ثمّ امكانية الفهم العلمي لظاهرة النص . إن الايمان بالمصدر الإلهي للنص ، ومن ثم لا مكانية أي وجود سابق لوجود العيني في الواقع والثقافة ، أمر لا يتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها . ولنقل بعبارة أخرى إن اللّه سبحانه وتعالى حين أوحى للرسول صلّى اللّه عليه وسلم بالقرآن اختار النظام اللغوي الخاص بالمستقبل الأول . وليس اختيار اللغة اختيارا لوعاء فارغ وان كان هذا ما يؤكده الخطاب الديني المعاصر ، ذلك أن اللغة أهم أدوات الجماعة في ادراك العالم وتنظيمه . وعلى ذلك لا يمكن أن نتحدث عن لغة مفارقة للثقافة والواقع ، ولا يمكن من ثم أن نتحدث عن نص مفارق للثقافة والواقع أيضا طالما أنه نص داخل اطار النظام اللغوي للثقافة . إن ألوهية مصدر النص لا تنفي واقعية محتواه ولا تنفي من ثم انتماءه إلى ثقافة البشر . إن القرآن يصف نفسه بأنه رسالة ، والرسالة تمثل علاقة اتصال بين مرسل ومستقبل من خلال شفرة ، أو نظام لغوي . ولما كان المرسل في حالة القرآن لا يمكن أن يكون موضعا للدرس العلمي ، فمن الطبيعي أن يكون المدخل العلمي لدرس النص القرآني مدخل الواقع والثقافة ، الواقع الذي ينتظم حركة البشر المخاطبين بالنص وينتظم المستقبل الأول للنص وهو الرسول ، والثقافة التي تتجسد في اللغة ، بهذا المعنى يكون البدء في دراسة النص بالثقافة والواقع بمثابة بدء بالحقائق الامبريقية ، ومن تحليل هذه الحقائق يمكن أن نصل إلى فهم علمي لظاهرة النص . إن القول بان النص منتج ثقافي يكون في هذه الحال قضية بديهية لا تحتاج لاثبات . ومع ذلك فان هذه القضية تحتاج في ثقافتنا إلى تأكيد متواصل نأمل أن تقوم به هذه الدراسة . لكن القول بأن النص منتج ثقافي يمثل بالنسبة للقرآن مرحلة التكون والاكتمال ، وهي مرحلة صار النص بعدها منتجا للثقافة ، بمعنى أنه صار هو النص المهيمن المسيطر الذي تقاس عليه النصوص الأخرى وتتحدد به مشروعيتها . إن الفارق بين المرحلتين في تاريخ النص هو الفارق بين استمداده من الثقافة وتعبيره عنها وبين امداده للثقافة وتغييره لها . ولكن