نصر حامد أبو زيد

17

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

النظرية والاجتماعية لا سبيل لديه سوى الاختيار الذي يحدده موقف الباحث من الواقع الذي يعيش فيه بوصفه شرطا أوليا للتجديد . وإذا كان من حق كل باحث أن يساهم في تجديد التراث فلا شك أن الهيمنة والسيطرة ستكونان لأنصار أشد اتجاهات التراث تخلفا ورجعية بحكم سيطرة هذه الاتجاهات على مجمل التراث لفترة طويلة من جهة ، وبحكم سيطرة أنصار هذه الاتجاهات في التراث على الواقع وعلى المؤسسات الثقافية من جهة أخرى . إن مطلب التجديد على وجاهته وأهميته إذا لم يستند إلى فهم « علمي » للأصول الموضوعية التي قام التراث على أساسها كفيل بأن يؤدي إلى تكريس أشد عناصر التراث تخلفا إلى جانب أنه يساند - دون وعي - أشد القوى سيطرة وهيمنة ورجعية في الواقع الراهن . لقد بدأ مفكر والنهضة بالدعوة إلى التجديد منذ الأفغاني ومحمد عبده ، ولكن هذه الدعوة لم تحقق أكثر من بعض المكاسب الهينة التي تتضاءل قيمتها إذا ما قورنت بما حققته قوى الفكر الرجعي من تجديد في مجال التراث أيضا . لقد كان رشيد رضا تلميذا لمحمد عبده ، وهو الذي حافظ لنا على تراث الإمام ونقله الينا ، لكن من جبّة الشيخ برزت الاتجاهات الرجعية المحافظة في مجالات الفكر الديني والأدبي على السواء . ولقد بدأ طه حسين والعقاد حياتهما مجددين على مستوى الفكر واللغة والأدب ، وانتهى كل منهما محافظا رجعيا يقف في وجه تيارات التجديد التي انبثقت من أفكارهما الأولى . إن التجديد على أساس « أيديولوجي » دون استناد إلى وعي علمي بالتراث لا يقل في خطورته عن « التقليد » . 2 - الوعي العلمي بالتراث ينبغي إذا أن يكون التحدي المطروح أمامنا الآن هو انتاج وعي « علمي » بالتراث من حيث الأصول التي كونته والعوامل التي ساهمت في حركته وتطوره حتى وصل الينا . وإذا كان التحدي المطروح على أمتنا هو خطر ضياع الكيان الثقافي والتاريخي بالتبعية للآخر فان العلم بحقيقة التراث والحضارة ومكوناتهما يمكن أن يساعدنا في الصمود والتصدي والمقاومة . و « العلم » نقيض التغني بالأمجاد الزائفة والفخر بانجازات لم نساهم في صنعها ، ولم نحاول حتى أن نفهم مكوناتها . إن انتاج وعي « علمي » بالتراث يستلزم من الباحث كثيرا من الجرأة والشجاعة في طرح الأسئلة ، ويستلزم منه جرأة أشد وشجاعة أعظم في البحث عن الإجابات الدقيقة لهذه الأسئلة . وعلى الباحث أن يكون على وعي دائما بأن تراثنا الطويل مليء - بحكم هذا الطول والامتداد التاريخي - بكثير من الإجابات الجاهزة ، التي يحتاج تجنبها إلى طاقة هائلة . إن هذه الإجابات الجاهزة تتقافز إلى وعي الباحث ويمكن أن تشوش عليه عمله . وإذا كان من المستحيل علميا وانسانيا أن يتجنب الباحث كل ما هو مطروح من إجابات في التراث أو في