نصر حامد أبو زيد

18

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

الثقافة ، فان عليه أن يختار من بينها أشدها صدقا واقترابا من الحقيقة . وإذا كان مفهوم « الحقيقة » مفهوما نسبيا في ذاته ، فان النسبية هنا يجب أن تفهم على أساس النسبية « الثقافية » ، لا النسبية الذاتية . من هنا يكون البحث عن « حقيقة » التراث بحثا عن حقائق في ثقافتنا لا بحثا عن حقائق مطلقة . وقد يرى الآخرون - الأغيار بالمعنى الثقافي - في تراثنا حقائق أخرى يدركونها من منظورهم الثقافي الخاص ، ولكن ذلك لا ينبغي أن يشوش علينا رؤيتنا الثقافية للحقيقة . إن ما تدركه ثقافة ما بوصفه حقيقة مطلقة هو كذلك بالنسبة لهذه الثقافة . وليست مهمة البحث العلمي - خاصة في مجال الانسانيات - نفي ذلك أو اثباته ، بل مهمتها تحليله في اطار النظام الثقافي الذي ينتمي اليه . وهنا علينا أن نفرق بين « تعدد » الإيديولوجيات داخل النظام الثقافي الواحد وبين وحدة الرؤية التي تجعل من الثقافة كلّا موحدا رغم ذلك . وإذا كان موضوعنا هنا ليس التراث بشموله واتساعه ، بل « علوم القرآن » فقط ، فان هذه العلوم اعتدت بها الثقافة العربية الاسلامية بوصفها العلوم الأصول ، أو العلوم الأمهات . إن المكانة المسيطرة للنص القرآني في نظامنا الثقافي يمكن أن يفسر كل جوانب التراث على أساس أن كل جانب يمكن أن يكون نمطا خاصا من أنماط « تأويل » النص أو تفسيره . ولما كانت مواجهة علوم القرآن كلها بتتبع أصولها ومكوناتها من هذا المنظور جهدا يفوق قدرة باحث واحد ، فان هذه الدراسة ستكتفي بالتعامل مع المفهوم الأساسي لعلوم القرآن ، وهو مفهوم « النص » ، وسيكون هذا المفهوم هو محور حركتنا بين علوم القرآن المختلفة . وتستهدف هذه الدراسة تحقيق هدفين : أما أولهما فهو إعادة ربط الدراسات القرآنية بمجال الدراسات الأدبية والنقدية بعد أن انفصلت عنها في الوعي الحديث والمعاصر نتيجة لعوامل كثيرة أدت إلى الفصل بين محتوى التراث وبين مناهج الدرس العلمي . وصارت الدراسات الاسلامية نتيجة لذلك مجالا حائرا بين التخصصات الأكاديمية . والحقيقة أن هذه الدراسات تنظم علوما كثيرة محورها واحد هو « النص » . سواء كان هذا النص هو القرآن أو الحديث النبوي . إن دراسة « النص » من حيث كونه نصا لغويا ، أي من حيث بنائه وتركيبه ودلالته وعلاقته بالنصوص الأخرى في ثقافة معينة ، دراسة لا انتماء لها إلا لمجال « الدراسات الأدبية » في الوعي المعاصر . وقد يكون النص موضوعا للدراسة في علوم أخرى ، فقد يتحول إلى « موضوع » للدرس اللغوي بكل فروعه بدءا من الصوتيات وانتهاء بالدلالة والمعجم . وقد درس اللغويون والنحويون النص القرآني وظلوا رغم ذلك لغويين ونحاة . قد يقال إن النص القرآني نص خاص ، وخصوصيته نابعة من قداسته وألوهية مصدره ، لكنه رغم ذلك