نصر حامد أبو زيد

11

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

نتجاوز به موقف « التوجيه الإيديولوجي » السائد في ثقافتنا وفكرنا . والبحث عن هذا المفهوم وبلورته وصياغته لا يمكن أن يتم بمعزل عن إعادة قراءة « علوم القرآن » قراءة جديدة باحثة منقبة . إن موقف الخطاب الديني المعاصر من « علوم القرآن » ومن « علوم الحديث » كذلك هو موقف الترديد والتكرار ، إذ يتصور كثير من علمائنا أن هذين النمطين من العلوم يقعان في دائرة العلوم التي « نضجت واحترقت » حتى لم يعد فيها للخلف ما يضيفه إلى السلف . ولم يقرأ علماؤنا هؤلاء - وهم ينقلون عن السيوطي - قوله : العلوم وان كثر عددها ، وانتشر في الخافقين مددها ، فغايتها بحر قعره لا يدرك ، ونهايتها طود شامخ لا يستطاع إلى ذروته أن يسلك . ولهذا يفتح لعالم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرق اليه من المتقدمين الأسباب « 1 » . لذلك نرى أكثرهم ينقلون عن السيوطي ما خف فهمه على الناشئة والطلاب ، فالغاية عندهم ليست التأليف والجمع - وهو نهج القدماء - ناهيك أن يكون البحث والتنقيب ، بل الغاية كل الغاية تسهيل الكتب القديمة بسلبها كل ميزاتها طلبا للكسب والشهرة . وإذا خلصت النيات تكون الغاية من الكتابة والتأليف طلب البركة من اللّه والتقرب اليه بالتماس صالح الأعمال ، وعلى رأسها دون شك الكتابة عن « القرآن » وعلومه أو عن « الحديث النبوي » وعلومه . والحقيقة أن التماس البركة يستلزم أصلا « صلاحية » العمل للتقرب به إلى اللّه . ولا شك أن لكل عمل صلاحياته التي لا يستقيم إلا بها ، وبدونها لا يكون عملا أصلا . والبحث العلمي عمل له شروط ليس منها على التحقيق النقل عن القدماء والتبسيط المخل في أهم مجال من مجالات الدرس والبحث . وإذا خلا « البحث العلمي » من شروطه الموضوعية التي يعرفها المتخصصون ، فكيف يكون عملا ، ناهيك أن يكون صالحا يتقرب به صاحبه من اللّه طالبا منه الثواب و « البركة » . 1 - بين السلفية والتجديد إن التحدي الحضاري والاجتماعي والثقافي الذي تواجهه أمتنا اليوم يختلف عن ذلك التحدي الذي كان يواجهها منذ سبعة قرون أو أكثر حين كتب الزركشي ( ت 794 ه - ) « البرهان في علوم القرآن » ، أو حين كتب السيوطي ( ت 910 ه ) « الاتقان في علوم القرآن » . كان التحدي الذي واجههما الحفاظ على الذاكرة الحضارية للأمة ، على ثقافتها وفكرها في مواجهة الزحف الصليبي الغربي . وعلى ذلك كانت هذه المصنفات في علوم القرآن وفي علوم الحديث ( ابن الصلاح ، ت 643 ) بمثابة محاولة لجمع هذا التراث المتنوع في مجال « النص »

--> ( 1 ) الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 3 .