نصر حامد أبو زيد

12

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

الديني وتيسير تناوله على القارئ والطالب ، كانت محاولة لتركيز العلوم واختصارها بحيث يمكن استيعابها بأقل جهد وفي وقت أقل . ولم تكن هذه العملية في حقيقتها سوى استجابة حضارية لموقف فرض على العقل العربي الانسحاب إلى الداخل ، والاعتصام داخل حدود علوم « النص » والعكوف على الثقافة والفكر يحميهما من الضياع ويحافظ عليهما من التشتت . وإذا كانت الوحدة السياسية قد صارت وهما بحكم سيطرة الأقليات العسكرية على الأقاليم الاسلامية المختلفة ، وبحكم الصراعات التي قامت بين هذه الأقليات العسكرية ، فان وحدة الثقافة والفكر كانت حقيقة « تعويضية » يمكن الاعتماد عليها لمواجهة هذا التمزق السياسي . وإذا كانت الإمبراطورية الاسلامية المترامية الأطراف قد تهاوت أركانها وسلبت أطرافها فان « وحدة الحضارة » ما زالت تؤكد للمسلمين تفوقهم على أعدائهم . لكن هذه العمليات - على أهميتها من الوجهة الثقافية - كانت تتم من منطلق تصور ديني للنص صاغته اتجاهات الفكر الرجعي في تيار الثقافة العربية الاسلامية ، وهو تصور أقل ما يقال عنه الآن انه تصور يعزل « النص » عن سياق ظروفه الموضوعية التاريخية ، بحيث يتباعد به عن طبيعته الأصلية بوصفه « نصا » لغويا ، ويحوله إلى شيء له قداسته بوصفه شيئا . كان القرآن قد تحول إلى « مصحف » ، إلى أداة للزينة ، وتلك قضية سنناقشها بالتفصيل فيها بعد . والذي يهمنا الإشارة اليه هنا أن هذا التحويل لطبيعة النص ، ومن ثم لوظيفته ، كان محصلة لمجمل اتجاهات الثقافة المسيطرة - الثقافة الرجعية - ثقافة الطبقات التي استندت إلى تأييد المغامرين العسكريين . إن التركيز على وظيفة ما لنص من النصوص - دون غيرها من الوظائف الممكنة والمحتملة لهذا النص - يرتبط بالاتجاه العام السائد المسيطر على الثقافة في حركتها الجدلية مع الواقع الذي تصوغه وتعبر عنه . وإذا كان من الصعب هنا أن نتتبع بدقة ذلك التحول الوظيفي الذي لحق بالنص الديني في حركة الثقافة العربية ، فإننا نكتفي بالإشارة إلى سيطرة العناصر غير العربية على حركة الواقع العربي الاسلامي ، ونقصد العناصر العسكرية من السلاجقة والترك والديلم ، ثم سيطرة الدولة العثمانية على العالم الاسلامي حتى الحرب العالمية الأولى . لقد كانت هذه السيطرة للعسكر بكل ما يمثلون من استناد إلى القوة وحدها كفيلة بالقضاء على حركة التفاعل الحية النشطة بين النصوص والواقع ، وكان هذا الوضع أشد تأثيرا على علاقة النص القرآني بالواقع وتفاعله معه . ويمكن أن يقال إن هؤلاء العسكر قد شكلوا القوة التي قامت بحماية الحدود السياسية للمجتمع الاسلامي من هجمات التتار والصليبيين ، وهذا أمر لا ينكره أحد ، لكن ذلك كان على حساب قهر اجتماعي واضمحلال