نصر حامد أبو زيد
105
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
فأول شيء يسألونك عن الخمر والميسر الآية ، فقيل حرمت الخمر فقالوا : يا رسول اللّه دعنا ننتفع بها كما قال اللّه ، فسكت عنهم . ثم نزلت هذه الآية : لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ، فقيل : حرمت الخمر ، فقالوا : يا رسول اللّه لا نشربها قرب الصلاة ، فسكت عنهم . ثم نزلت يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : حرمت الخمر « 1 » . ومثل هذا التدرج في التشريع هام جدا فيما نلح عليه من جدلية العلاقة بين النص والواقع . لقد كانت الآية الأولى إجابة عن سؤال كما هو واضح من نصها « يسألونك » ، ورغم إشارة الآية إلى أن الاثم أكبر من النفع فقد كان الناس حريصين على التمسك بمنافعها . إن قوة الواقع هنا جعلت النص يكتفي بالإشارة إلى ما فيها من إثم دون أن يغامر بالتحريم الذي لم يتهيأ له البشر بعد . وكانت المرحلة الثانية النهي عن الصلاة حالة السكر بما يتضمنه من نهي عن شرب الخمر قبل مواقيت الصلاة . وبعملية حسابية بسيطة من السهل أن ندرك أن هذا النهي كان بمثابة علاج تدريجي لحالة « الادمان » الاجتماعية . إن النهي عن الشرب قبل الصلاة - عن طريق النهي عن الصلاة حالة السكر - لا يترك للانسان سوى بضع ساعات من الليل يمارس فيها الشراب الذي صار محرما تقريبا طوال اليوم مع تعاقب أوقات الصلاة الخمسة إضافة إلى مشاغل السعي في طلب الرزق . إن مثل هذا التدرج في التشريع لا يؤكد جدلية الوحي والواقع فقط ، بل يكشف عن منهج النص في تغيير الواقع وعلاج عيوبه . هل من المنطقي بعد ذلك أن يتمسك العلماء « بعموم اللفظ » دون مراعاة لخصوص السبب ؟ إذا كان عموم اللفظ هو الأساس في اكتشاف دلالة النصوص لأمكن أن يتمسك البعض بالآية الأولى أو بالآية الثانية ، ولأدى ذلك في النهاية إلى القضاء على التشريعات والأحكام كلها . وليس هذا مجرد افتراض فقد وقع الفقهاء في شيء شبيه بهذا أمام آية من القرآن تمسكوا فيها بعموم اللفظ وأهدروا خصوص السبب ، هذه الآية هي قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 2 » . وقد ذهب الإمام « مالك » إلى أن هذه الآية تحصر المحرمات استنادا إلى بنائها وتركيبها اللغوي المعتمد على القصر بالنفي والاستثناء ، لكن الإمام « الشافعي » استنادا إلى « أسباب
--> ( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 26 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 145 .