نصر حامد أبو زيد

106

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

النزول » ذهب إلى أنها ليست نصا في حصر المحرمات ، بل دلالتها اثبات تحريم ما ورد فيها دون أن يستتبع ذلك أن خلاف ما ذكر فيها محلل . إن الكفار لما حرّموا ما أحل اللّه ، وأحلوا ما حرمه اللّه وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال لا حلال إلا ما حرمتموه ، ولا حرام إلا ما أحللتموه ، نازلا منزلة من يقول : لا تأكل اليوم حلاوة ، فتقول : لا آكل اليوم إلا الحلاوة ، والغرض المضادة لا النفي والاثبات على الحقيقة ، فكأنه قال : لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير ، وما أهل لغير اللّه به ، ولم يقصد جلّ ما وراءه ، إذ القصد اثبات التحريم لا اثبات الحل . قال إمام الحرمين : وهذا في غاية الحسن ، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية « 1 » . وهذا الفهم من جانب الإمام الشافعي إلى جانب استناده إلى « أسباب النزول » يتوافق مع ترتيب نزول آيات التحريم الخاصة بالأطعمة ، فالآية التي تحصر المحرمات هي الآية الثالثة من سورة المائدة ، في حين أن آية سورة الأنعام هي الآية الأولى نزولا ، وبينهما نصوص أخرى في سورة النحل : الآيتان 115 - 116 ، وفي سورة البقرة : الآيتان 172 ، 173 ، وذلك طبقا لما يرويه السيوطي : أول آية نزلت في الأطعمة بمكة آية الأنعام : قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرما ، ثم آية النحل : فكلوا مما رزقكم اللّه حلالا طيبا إلى آخرها . والمدنية آية البقرة . انما حرم عليكم الميتة الآية ، ثم المائدة : حرمت عليكم الميتة . . . الآية « 2 » . إن مناقشة دلالة النصوص من خلال ثنائية « عموم اللفظ » و « خصوص السبب » أمر يتعارض مع طبيعة العلاقة بين النص اللغوي وبين الواقع الذي ينتج هذا النص ، ذلك أن انتاج النص يتم من خلال وسيط له قوانين لها قدر من الاستقلال هو الفكر والثقافة ، وتنتمي دوال النص وعلاماته إلى النظام اللغوي الذي يعد نظاما خاصا داخل نظام الثقافة وان كان هو النظام المركزي . وفي النصوص تتفاعل نظم دلالية ثانوية داخل النظام العام للنص ، فنجد دوال تتجاوز اطار الوقائع الجزئية ، ونجد دوال أخرى تشير إلى الوقائع الجزئية ولا تتجاوزها . في النصوص الأدبية مثلا دوال يمكن أن نقول إنها خاصة أو محلية ، دوال تشير إلى حياة المؤلف وإلى ثقافته ، ولكن النصوص الممتازة - دون النصوص ذات المستوى الأدنى - تتضمن أيضا دوال ذات طبيعة عامة ، وهي الدوال التي تمكّن العصور المختلفة من قراءة

--> ( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 23 - 24 . ( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 26 .