نصر حامد أبو زيد

10

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

تفاعل نشط خلّاق في أي عملية تأويلية . وإذا كانت الثقافة العربية ثقافة تعطي للنص القرآني هذه الأولية ، وتجعل من التأويل نهجا فلا بد أن لهذه الثقافة مفهوما - ولو ضمنيا - لماهية النص ولطرائق التأويل . ومع ذلك فقد حظي جانب « التأويل » ببعض الدراسات التي ركزت على العلوم الدينية وتجاهلت ما سواها ، ولم يحظ مفهوم « النص » بدراسة تحاول استكشاف هذا المفهوم في تراثنا ان كان له وجود ، أو تحاول صياغته وبلورته إن لم يكن له وجود . إن البحث عن مفهوم للنص ليس مجرد رحلة فكرية في التراث ، ولكنه فوق ذلك بحث عن « البعد » المفقود في هذا التراث ، وهو البعد الذي يمكن أن يساعدنا على الاقتراب من صياغة « الوعي العلمي » بهذا التراث . لقد تنبه جيل الليبراليين المجددين لأهمية هذا « البعد » في تراثنا ، ولكن صيحاتهم وتنبيهاتهم ذهبت أدراج الرياح ، لأن ثمة قوى في الواقع الثقافي والاجتماعي لا تريد تحقيق « الوعي العلمي » بالتراث لأن من شأنه أن يسحب الأرض من تحت « توجيهاتهم الإيديولوجية » لهذا التراث ، وهي توجيهات تحافظ على الأوضاع الاجتماعية المتردية وتساندها . وإذا كانت قوى التغيير والاصلاح في نضالها ضد الفساد الاجتماعي والفكري تحاول بدورها أن تستند إلى التراث فإنها أيضا تستند إليه بنفس الطريقة ، طريقة « التوجيه الإيديولوجي » . ولا شك أن المنتصر في معركة « التوجيه الإيديولوجي » هذه هو الفكر الرجعي التثبيتي ، وذلك لأن استناده إلى التراث استناد إلى تاريخ طويل من سيطرة الفكر الرجعي على التراث ذاته . إن البحث عن مفهوم « النص » ليس في حقيقته الا بحثا عن ماهية « القرآن » وطبيعته بوصفه نصا لغويا . وهو بحث يتناول القرآن من حيث « هو كتاب العربية الأكبر ، وأثره الأدبي الخالد » . فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس ، سواء نظر اليه الناظر على أنه كذلك في الدين أم لا . وهذا الدرس الأدبي للقرآن في ذلك المستوى الفني ، دون نظر إلى اعتبار ديني ، هو ما نعتده وتعتده معنا الأمم العربية أصلا ، العربية اختلاطا ، مقصدا أول ، وغرضا أبعد ، يجب أن يسبق كل غرض ويتقدم كل مقصد . ثم لكل ذي غرض أو صاحب مقصد بعد الوفاء بهذا الدرس الأدبي أن يعمد إلى ذلك الكتاب فيأخذ منه ما يشاء ويقتبس منه ما يريد ، ويرجع اليه فيما أحب من تشريع ، أو اعتقاد ، أو أخلاق ، أو اصلاح اجتماعي ، أو غير ذلك . وليس شيء من هذه الأغراض الثانية يتحقق على وجهه إلا حين يعتمد على تلك الدراسة الأدبية لكتاب العربية الأوحد دراسة صحيحة كاملة مفهمة له » . « 1 » . إن الدراسة الأدبية - ومحورها مفهوم « النص » - هي الكفيلة بتحقيق « وعي علمي »

--> ( 1 ) أمين الخولي : دائرة المعارف الاسلامية ، مادة « تفسير »