عدنان زرزور

99

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

وعاينوه على سنن الاجتماع الإنساني في المنشط والمكره ، والعسر واليسر ، والهزيمة والنصر . . . لا ليعلّمهم ويدرّبهم على تغيير الواقع الفاسد أو المغلوط ، باتجاه ( الواقع ) المطلوب أو المرغوب فيه فحسب ، بل ليدرّبهم فوق ذلك على أن الواقع المؤلم أو المكروه والذي أفرزه مبدأ صائب أو الذي جاء في أعقابه وانبنى عليه ، لا يجوز له أن يشكل مبررا لتجاوز المبدأ أو للعودة عليه بالتحوير والتبديل ! كما حصل يوم أحد على سبيل المثال ؛ لقد نزل في هذا اليوم آيات كثيرة كما هو معلوم ، منها - في هذا الجانب الثاني وحده - قوله تعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) [ سورة آل عمران ، الآية 3 ] . فقد أمرت هذه الآية الكريمة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالتزام مبدأ الشورى على الرغم من أن الهزيمة جاءت في أعقاب شورى النبيّ لأصحابه ، وبسبب غير مباشر منها « 1 » ! ولكن هذه الهزيمة لا يجوز لها أن تبرر تجاوز هذا المبدأ أو هذا التشريع ، أو الانتقاص منه ، فضلا عن تكريس نقيضه ! ! بحجة ( الواقع ) الذي أفرزه أو انبنى عليه . والعجيب بعد هذا أن يتوهم بعض الدارسين أن ( الوحي ) كان استجابة ( للواقع ) ! ! اعتمادا على أن بعض آيات التشريع أو الأحكام جاءت بسبب نزول معين . وعلى الرغم من أننا سوف نتناول الرد على هذا الزعم في مبحث سبب النزول ؛ فإن حديثنا قبل قليل عن « التربية من خلال الواقع » - الحكمة الرابعة السابقة من حكم تنجيم القرآن - قد يكون مشمولا بهذا الوهم أو الزعم ؛ الأمر الذي يفرض علينا إيجاز القول في نقضه هنا ببعض النقاط : 1 - إن معظم آيات القرآن الكريم نزلت ابتداء ، أي بدون سبب نزول خاص أو معين . ويدخل في ذلك الجانب الاعتقادي كله ، أو آيات الإيمان

--> ( 1 ) انظر « في ظلال القرآن » للأستاذ سيد قطب رحمه اللّه تعالى ، ص 532 - 533 ( المجلد الأول ) الطبعة الرابعة ، دار الشروق 1977 .