عدنان زرزور
95
مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه
5 - وأخيرا ، لعل من أهم حكم تنجيم القرآن : الدلالة على إعجازه وإثبات مصدره . ففي نزول القرآن خلال هذه المدة الطويلة ، وكلما نزلت آية أو آيات قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « ضعوا هذه الآيات في موضع كذا من سورة كذا » وربما نزلت الآيات التي توضع في آخر السورة قبل الآيات التي توضع في أولها أو مقدماتها ، وربما لم يكتمل بناء بعض السور - المفتوحة - إلا خلال سنوات . . . ثم يكون القرآن الكريم بعد ذلك متسقا هذا الاتساق المعجز ، منسّق الآيات والسور ، محكم السرد ، دقيق السبك ، قوي الأسلوب . . . إن في ذلك جميعه ما يشير بوضوح إلى مصدر هذا الكتاب الكريم وأنه تنزيل من حكيم حميد ، قال تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 ) [ سورة النساء ، الآية 82 ] . لأن الرسول الكريم الذي كان يأمرهم بوضع الآيات عندما تنزل في موضع كذا من سورة كذا بشر لا يدري ما ستجيء به الأيام ، وكيف سيتم بناء هذه السور ومتى يتم في المستقبل ؟ والاختلاف المشار إليه في الآية الكريمة يكون من وجهين رئيسيين : الأول : من حيث النظم والأسلوب والبيان الذي لم يختلف في القرآن أو يتخلف في موطن من المواطن ، وذلك على طريقة الأدباء في الاختلاف أيا كان حظهم من التفوق ، ومع تفرغهم للعمل الأدبي الواحد في زمن معين أو فترات متقاربة لا يمكن أن تصل إلى ربع قرن ! ! ومع التقديم والتأخير ، واختلاف المناسبات والأحوال ! ! التي تم فيها وعليها نزول القرآن الكريم . وهذا كما أشرنا دليل الإعجاز . أما الاختلاف الثاني : فهو اختلاف المعاني والمضامين ، فإذا لم تختلف هذه المعاني عند أحد طيلة حياته ، فهل يمكن أن تتلاءم أو تتكاتف على أداء طريقة واحدة أو معنى منسجم عندما يضمّ الكلام بعضه إلى بعض في سنوات طوال ؟