عدنان زرزور

93

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه

وفي مناسبة أخرى يخاطب اللّه تعالى المؤمنين بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ [ سورة الممتحنة ، الآية 1 ] . وقصة الإفك التي تشير إلى حدث اجتماعي - أو ظاهرة في بعض الأحيان - تعالج في الوقت المناسب ، وبعد أن يتخذ كل واحد من الناس موقفا أو يفتي برأي ! ! لتتعلم المجتمعات الإنسانية على مدى الدهر طريقة المعالجة ، والموقف الواجب الاتباع : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [ سورة النور ، الآية 11 ] . ولعل مما يشير إلى هذه الحكمة أو النقطة قول اللّه تعالى : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ( 106 ) [ سورة الإسراء ، الآية 106 ] . ( ب ) التدرج في التشريع ، وذلك في الأمور المتمكنة من الأفراد وفي المجتمع بحيث يحتاج اجتثاثها أو التعفية على آثارها إلى وقت يقصر أو يطول ؛ أي إن تخلي المجتمع عن مفاسده وشروره تم بواسطة هذا التدرج ، وبعمق لم يشهد له التاريخ أو الواقع مثيلا . وكأن العملية التربوية المشار إليها في الفقرة السابقة وهي العمل الإيجابي ، كانت تتم في خط مواز لهذه الناحية السلبية ، أو لعلها كانت تأتي على أعقابها في بعض الأحيان ، على مبدأ ( التخلية ثم التحلية ) . ومن أمثلة هذا التدرج المشهورة تحريم الخمر الذي تم على هذه المراحل : نزل أولا قوله تعالى : * يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [ سورة البقرة ، الآية 219 ] . فوصفت هذه الآية حالة الخمر والميسر ، وأن الإثم فيهما أكبر من النفع « 1 » ، ولكنّها لم تصرّح بتحريمهما أو طلب الكفّ عنهما . فإذا أضفنا إلى ذلك أنها افتتحت بقوله تعالى :

--> ( 1 ) انظر إشارتنا السابقة إلى هذه الآية في الفقرة الثانية ( العرب والقرآن ) من الفصل الأول .